x

عباس الزدجالي يكتب للشبيبة: وين أرباب !؟

مقالات رأي و تحليلات الاثنين ١٤/سبتمبر/٢٠٢٦ ١٣:١٦ م
عباس الزدجالي يكتب للشبيبة: وين أرباب !؟
عباس الزدجالي

بقلم : عباس الزدجالي

يتردد مصطلح «ريادة الأعمال» كثيراً في سلطنة عُمان، وتتكرر معه شكاوى بعض أصحاب المؤسسات من اشتراطات التعمين وصعوبة الحصول على تصاريح العمالة الوافدة وارتفاع كلفة التشغيل. ولا شك أن جانباً من هذه الشكاوى مشروع، لكن النقاش ظل منصباً على ما يريده رائد الأعمال من الدولة، بينما قلما سألنا: ماذا يقدم هذا المشروع للاقتصاد والمجتمع مقابل التمويل والتسهيلات والإعفاءات التي يحصل عليها؟

وفق بيانات هيئة تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، بلغ عدد المؤسسات المسجلة في «ريادة» بنهاية عام ٢٠٢٥ نحو ١٣٠٬٣٥٩ مؤسسة، منها ١١٠٬٤٧٩ مؤسسة صغرى، أي قرابة ٨٥٪ من الإجمالي. وتصدرت تجارة الجملة والتجزئة وإصلاح المركبات القائمة بـ ٢٤٬٩٦٨ مؤسسة، تلاها التشييد والمقاولات بـ ٢٠٬٥٨٧ مؤسسة، ثم الصناعات التحويلية بـ ١٧٬٣٤٢ مؤسسة، والخدمات الإدارية وخدمات الدعم بـ ١٣٬٨٢٢ مؤسسة. وبذلك تستحوذ هذه القطاعات الأربعة على نحو ٥٩٪ من المؤسسات المسجلة.

هذه الأنشطة ضرورية للاقتصاد، لكنها ليست جميعاً ريادة أعمال بالمفهوم الحديث القائم على الابتكار وتطوير المنتجات وفتح أسواق جديدة ورفع الإنتاجية. فافتتاح مطعم أو ورشة أو صالون حلاقة أو مغسلة أو محل تجاري لا يتحول تلقائياً إلى مشروع ريادي لمجرد تسجيله تحت مظلة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.

وتظهر المفارقة حين لا نجد صاحب المشروع في مؤسسته؛ فقد يمتلك الشخص الواحد عدة مطاعم وورش وصالونات ومحال، بينما يتولى العمال الوافدون إدارتها وتشغيلها وتحصيل إيراداتها من الألف إلى الياء. 

وتكتسب المسألة أهمية أكبر عند ربطها بأرقام سوق العمل. فقد أعلنت وزارة العمل عام ٢٠٢٥ أن أكثر من ٢٤٥ ألف منشأة لا توظف عمانياً واحداً، مع اعتمادها على أكثر من ١٫١ مليون عامل وافد، بينما توظف نحو ألف شركة كبيرة قرابة ٢٠٠ ألف عماني. وهذا يكشف خللاً واضحاً: عدد ضخم من المنشآت الصغيرة يقابله إسهام محدود في تشغيل المواطنين.

ليس مطلوباً من مالك عشر مؤسسات أن يقف خلف صندوق المحاسبة في كل فرع، كما أن الاستعانة بالعمالة الأجنبية ليست خطأ في حد ذاتها؛ فالاقتصاد يحتاج إلى مهارات وخبرات متعددة. لكن يجب التفريق بين رائد الأعمال والمستثمر وصاحب السجل التجاري. الرائد يقدم فكرة أو منتجاً أو أسلوباً جديداً، ويتابع مشروعه ويطوره ويخلق قيمة قابلة للنمو. أما المستثمر، فمن حقه امتلاك عدة أنشطة يديرها موظفوه، ولكن ليس من المنطقي منحه تلقائياً صفة «الرائد» والامتيازات المرتبطة بها.

لقد قدمت الدولة تمويلاً وتدريباً وحاضنات وتسهيلات تسويقية وإجرائية، وبلغت قيمة ٥١٤ قرضاً قدمتها محفظة هيئة تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة خلال عام ٢٠٢٥ أكثر من ٤٤ مليون ريال عُماني. ومن الطبيعي أن يقابل هذا الدعم التزام واضح بالإنتاج والتشغيل ونقل المعرفة، لا أن يصبح الهدف الأول الحصول على مزيد من تراخيص العمالة منخفضة الكلفة.

المعادلة التي ينبغي رفضها هي: سجل عُماني، وامتيازات حكومية، ومالك غائب، وعمالة وافدة تدير النشاط بالكامل، ثم شكوى دائمة من قيود الاستقدام. فهذا النموذج قد يحقق دخلاً لصاحب السجل، لكنه لا يصنع بالضرورة اقتصاداً منتجاً ولا يعالج البطالة.

الحل ليس في وقف الدعم، بل في توجيهه بحسب القيمة المضافة. فمن يبتكر أو يصدر أو يوظف عمانيين أو ينقل تقنية يستحق مزايا أكبر، أما النشاط التقليدي القائم على العمالة الوافدة وحدها فيعامل بوصفه مشروعاً تجارياً عادياً.

فليس كل صاحب سجل رائد أعمال، وكثرة السجلات ليست دليلاً على ازدهار الاقتصاد. الريادة الحقيقية تقاس بما تنتجه المؤسسة وتضيفه وتوفره من فرص، لا بعدد العمال الذين تستقدمهم.