x

علي بن راشد المطاعني يكتب للشبيبة: تنظيم سوق العمل.. التصحيح ضرورة!

مقالات رأي و تحليلات الخميس ١٠/سبتمبر/٢٠٢٦ ١٠:٤٣ ص
علي بن راشد المطاعني يكتب للشبيبة: تنظيم سوق العمل.. التصحيح ضرورة!
علي بن راشد المطاعني

بقلم : علي بن راشد المطاعني 

لا نعرف كيف يمكن استيعاب الشباب العُماني في القطاع الخاص، في ظل مقاومة تنظيم سوق العمل على نحو يصحح الكثير من الممارسات الخاطئة التي شوهت السوق على مدى سنوات، وهو ما يحتاج إلى إجراءات تصحيحية حقيقية، ومنها ربط السجلات التجارية بالرقم المدني لضبط الممارسات التي يمكن من خلالها التهرب من التعمين والانتقال بين السجلات. ومن المستغرب هذه الهجمة على تنظيم هدفه الأساسي إغلاق منافذ التحايل وتعزيز فرص المواطن في سوق العمل؛ فلا يمكن لأي حكومة أو جهة أو مواطن مخلص أن يرضى بأن يبقى المواطن خارج المعادلة، بينما تظل فرص العمل في بلاده متاحة لغيره على نطاق واسع.

فلا شك أن الحكومة، ممثلة في وزارة العمل والجهات الأخرى ذات العلاقة، أسهمت على مدى أكثر من خمسين عامًا في بناء القطاع الخاص، ووفرت له التسهيلات والحوافز والمشروعات والعمالة الوافدة والبيئة التي مكنته من النمو والتوسع، وتجاوبت في مراحل كثيرة مع مطالبه واحتياجاته. وكان من الطبيعي أن يقابل ذلك بمسؤولية أكبر تجاه الوطن والمواطن وتمكين أبنائه من فرص العمل، إلا أن الواقع يؤكد أن معظم إجراءات التوظيف والتعمين لم تأتِ تلقائيًا، وإنما احتاجت إلى قرارات ملزمة ونسب تعمين وحوافز ورسوم مرتبطة بمستوى الالتزام، وصولًا إلى ربط بعض الإجراءات بالرقم المدني لضمان عدم تحول تعدد السجلات إلى وسيلة للالتفاف على الالتزامات بألاحلال و التعمين. 

ويجب أن نعي أيضًا تركيبة القطاع الخاص وما يعانيه من ممارسات التجارة المستترة وسيطرة العمالة الوافدة على بعض الأنشطة والمنشآت، بما في ذلك حالات تكون فيها الإدارة الفعلية بيد الوافد بينما يظل دور صاحب السجل محدودًا. و يمكن الجزم بأن نسبة 90% من القطاع الخاص تجارة مستترة؛

ولا نعرف لماذا كل هذا الخوف من أتمتة الإجراءات وربط البيانات لضبط المخارج التي يتسلل منها المخالفون، خاصة في ظل إمكانية امتلاك الشخص أو مشاركته في عدد من السجلات التجارية؛ فكيف يمكن للجهة المنظمة أن ترى الصورة الحقيقية للالتزام إذا تعاملت مع كل سجل بمعزل كامل عن بقية السجلات المرتبطة بالشخص نفسه؟ كما أن الربط الإلكتروني بين البيانات في العمل الحكومي ليس في حد ذاته أمرًا استثنائيًا، وإنما أداة رقابية تساعد على رؤية الالتزامات بصورة أشمل، خصوصًا مع التوسع الكبير في الخدمات الإلكترونية.

ومن الاعتراضات التي تستحق التوقف عندها القول إن مخالفة شركة لا ينبغي أن تمتد آثارها تلقائيًا إلى شركة أخرى مرتبطة بالمالك نفسه، خاصة مع وجود شركات محدودة المسؤولية وشركاء آخرين. وهذا اعتراض وجيه من حيث المبدأ، ويجب أن يراعيه التطبيق بحيث لا يتحمل الشريك غير المسيطر مسؤولية لا تخصه. لكن في الوقت نفسه يجب التفريق بين تحميل شركة ديون والتزامات شركة أخرى، وبين تقييم أهلية صاحب النشاط للحصول على تصاريح جديدة لاستقدام عمالة وافدة. فقانون العمل يلزم صاحب العمل بتشغيل العُمانيين، ويجيز تحديد نسب التعمين في القطاعات والأنشطة والمهن؛ وبالتالي فإن استقلال الذمة المالية للشركة شيء، والأهلية التنظيمية للحصول على خدمة حكومية جديدة شيء آخر.

ولا خلاف على أن أي قرار اقتصادي ينبغي أن يدرس بعناية، وأن تسبق تطبيقه قراءة لآثاره المحتملة على الشركات والاستثمار واستقرار الأعمال، لكن الحذر من آثار القرار لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة للإبقاء على اختلالات قائمة في سوق العمل أو تعطيل أدوات الرقابة التي تكشف التحايل على التعمين وتعدد السجلات.

كما أن بيئة الأعمال لا تعني فقط سهولة إصدار التصاريح واستقدام العمالة، وإنما تعني أيضًا عدالة المنافسة بين المنشأة التي توظف العُمانيين وتدربهم وتتحمل تكاليف التعمين، وبين منشأة تعتمد بصورة شبه كاملة على العمالة الوافدة.

وتكفي هنا الإشارة إلى البيانات التي أعلنتها وزارة العمل في مايو 2025، والتي أظهرت أن أكثر من 245 ألف منشأة لا توظف عُمانيًا واحدًا، بينما توظف أكثر من 1.1 مليون عامل وافد بنسبة تعمين صفر بالمائة. وفي المقابل، فإن قرابة ألف منشأة كبيرة توظف ما يقارب 200 ألف عُماني و245 ألف وافد، بنسبة تعمين تصل إلى 44%. وهذه الأرقام  تعد مؤشرًا على اختلال يستحق المعالجة وإعادة التوازن. 

ومن الأهمية أن نكون أكثر مسؤولية تجاه تنظيم سوق العمل وضبط الممارسات الخاطئة التي تعتريه، فلا يمكن السماح باستمرارها إلى ما لا نهاية ويكون المواطن ابن الوطن هو الضحية. وعندما يكون تشغيل المواطنين وتمكينهم اقتصاديًا من الأولويات الوطنية، وفي المقابل لدينا هذا العدد الكبير من المنشآت التي لا توظف مواطنًا واحدًا، فإن تصحيح السوق  ضرورة تتطلب تضافر الجهود وتحمل الجميع لمسؤولياتهم.

نعلم أن الرقم المدني لا ينبغي أن يكون وسيلة لدمج الذمم المالية المستقلة للشركات، لكنه في الوقت نفسه يمكن أن يكون أداة تنظيمية تساعد الجهات المختصة على رؤية الصورة الكاملة للالتزام، ومنع تعدد السجلات من أن يتحول إلى تعدد للمخارج من الالتزام. وتصحيح سوق العمل قد تكون له كلفة، لكن كلفة بقاء المواطن خارج معادلة العمل في وطنه أكبر بكثير.

وبالطبع فإن إجراءات التصحيح لها ضريبتها، ونتفق على ذلك، لكن هذا أمر طبيعي في كل الأسواق التي تتطلع إلى تغيير مفاهيم وممارسات قديمة في إدارة سوق العمل، والانتقال إلى سوق أكثر تنظيمًا يتيح المجال لأبناء الوطن، ويمنع التحايل على الأنظمة والقوانين المنظمة للعمل. والسؤال الذي ينبغي أن يُطرح ليس فقط: ما كلفة التصحيح على بعض المنشآت؟ وإنما أيضًا: ما الكلفة الاقتصادية والاجتماعية لاستمرار الاختلالات نفسها؟ فلا يمكن أن تكون الأولوية دائمًا لتجنب أي كلفة على المنشآت بينما يتحمل المواطن كلفة بقائه خارج سوق العمل.

ونأمل من أرباب العمل عدم مهاجمة مثل هذه الإجراءات التي تهدف إلى وضع حد للممارسات الخاطئة، وإعطاء الجهات المعنية الوقت والمجال لتصحيح السوق مهما كانت كلفة هذا التصحيح، مع أهمية وجود آليات واضحة للتظلم ومعالجة الحالات الفردية التي قد تتضرر دون وجه حق.