
بقلم : علي بن راشد المطاعني
قبل عدة سنوات، كتبت مقالًا دعوت فيه إلى ضرورة تفعيل الرقم المدني في ضبط بعض الممارسات الخاطئة في سوق العمل، خاصة فيما يتعلق بالتعمين والإحلال، وفتح سجلات تجارية متعددة لصاحب عمل واحد، بما يتيح توزيع العمالة والأنشطة بينها، ورصد التهرب من نسب التعمين والالتزامات المحددة وفق القطاعات.
وقد أثلج صدري حقًا أن أرى اليوم هذا التوجه يأخذ طريقه إلى التطبيق، وإن طال الزمن، كما يقال، بعد أن بدأت وزارة العمل في اتخاذ خطوات تعزز ربط مسؤولية صاحب العمل بسجلاته التجارية، في إطار الجهود الرامية إلى تنظيم سوق العمل، وتعزيز فرص العمل للكوادر الوطنية، والحد من الممارسات التي تستغل تعدد السجلات للالتفاف على الالتزامات المتعلقة بالتعمين والقوى العاملة.
فالمسألة ليست في تعدد السجلات التجارية في حد ذاته، فهذا حق مشروع للمستثمر متى كانت هناك أنشطة حقيقية تتطلب ذلك، وإنما الإشكالية تبرز عندما يتحول تعدد السجلات إلى وسيلة لتجزئة النشاط والعمالة والالتزامات، بحيث يتم توزيع العمالة على أكثر من سجل أو نقلها من منشأة إلى أخرى، وتبدو كل منشأة منفردة وكأنها غير مطالبة باستيفاء نسب معينة من التعمين، بينما هي في الواقع جزء من نشاط اقتصادي واحد يديره صاحب عمل واحد. وهنا يصبح السؤال: "من هو صاحب العمل والمستفيد الحقيقي من هذه الأنشطة؟ وكم يبلغ حجم أعماله وعمالته في مجموع سجلاته؟ وما مقدار إسهامه الحقيقي في تشغيل المواطنين؟"
ومن هنا تأتي أهمية الرقم المدني باعتباره الحلقة التي تجمع الصورة كاملة، بدلًا من النظر إلى كل سجل تجاري باعتباره جزيرة منفصلة عن بقية الأنشطة التي يملكها الشخص نفسه. فالتعمين لا ينبغي أن يكون مجرد رقم في سجل تجاري، وإنما مسؤولية وطنية واقتصادية ترتبط بصاحب العمل وحجم نشاطه الحقيقي وقدرته على الإسهام في تشغيل المواطنين وإحلالهم في الوظائف المناسبة.
ولا شك أن بعض الممارسات الخاطئة التي تراكمت في سوق العمل أسهمت في إبعاد الكوادر الوطنية عن فرص كان يمكن أن تكون متاحة لها، وأوجدت تشوهات لا يمكن علاجها بالقرارات والنسب وحدها، وإنما تحتاج إلى أدوات تنفيذية ورقابية قادرة على ضمان الالتزام الفعلي. فهناك فرق كبير بين شركة تستثمر في العُماني، وتوظفه وتدربه وتعمل على الإحلال بصورة حقيقية، وبين منشأة تبحث عن الطرق المتاحة والملتوية التي تمكنها من البقاء عند الحد الأدنى من الالتزامات، أو إعادة توزيع عمالتها بين سجلات متعددة لتجنب استحقاقات التعمين.
وفي الوقت الذي تتيح فيه سلطنة عُمان حرية التجارة وممارسة الأعمال، وتشجع الاستثمار وتفتح المجال أمام القطاع الخاص، فإن ذلك لا يعني ترك الممارسات الخاطئة دون رصد وتنظيم. فاقتصاد السوق لا يعني غياب الضوابط، وحرية التجارة لا تعني حرية التحايل والالتفاف على الأنظمة، كما أن تشجيع الاستثمار لا ينبغي أن يكون على حساب استقرار سوق العمل أو عدالة المنافسة أو إتاحة الفرص للمواطنين.
ولهذا لا ينبغي أن نخلط الأوراق ونصور أي تنظيم لسوق العمل على أنه تضييق على رجال الأعمال أو الشركات. فالمستثمر الحقيقي الذي يمارس أعماله بكفاءة وعلى أسس سليمة لا يخشى التنظيم، بل يحتاج إليه ويطلبه؛ لأن القوانين الواضحة والعادلة تحميه من المنافسة غير المتكافئة. إذ إنّ الشركة التي تتحمل تكلفة التعمين والتدريب والأجور والالتزامات القانونية لا ينبغي أن تجد نفسها في منافسة مع منشأة تقلل تكاليفها من خلال عدم الالتزام أو الالتفاف على بعض الاشتراطات. وبالتالي، فإن ضبط المخالفين لا يحمي الباحث عن عمل فقط، وإنما يحمي أيضًا رجل الأعمال الملتزم ويعزز عدالة المنافسة في السوق.
وهذه مسألة مهمة؛ لأن كل مساحة نتركها للتحايل تعني بصورة غير مباشرة معاقبة الملتزم ومكافأة المتلاعب، وهذا يتعارض مع أبجديات العدالة واجبة الاتباع. ومن غير المقبول أن يتحمل صاحب العمل الجاد تكلفة الامتثال، بينما يحصل آخر على ميزة تنافسية غير مشروعة نتيجة قدرته على الدوران حول الأنظمة والتشريعات.
وقد رأينا نجاح مبدأ ربط الالتزامات بصاحبها في مجالات أخرى، ومن الأمثلة الواضحة ما تطبقه شرطة عُمان السلطانية في التعامل مع مخالفات المركبات وبعض إجراءات التجديد، حيث أصبح الربط الإلكتروني وسيلة فعالة لتعزيز الامتثال وتسوية الالتزامات. والفكرة في جوهرها واحدة، وتتلخص في أنّ المسؤولية يجب أن ترتبط بصاحبها، ولا ينبغي أن تظل المخالفة في جانب، بينما يستطيع الشخص الانتقال إلى جانب آخر من تعاملاته وكأن شيئًا لم يكن، وكأنّ تلك أمست نسيًا منسيًا.
ثم إنّ التقنية اليوم تجعل الرقم المدني أساسًا يمكن البناء عليه في كثير من التعاملات والمعاملات، ليس بهدف التضييق على الناس بطبيعة الحال، وإنّما لمنع تضارب البيانات وتعدد الواجهات التي يمكن استخدامها للتحايل. فالسجلات قد تتعدد، والشركات قد تتفرع، والأنشطة قد تتغير، لكن صاحب القرار والمستفيد الحقيقي يظل معروفًا، وهنا تصبح المسؤولية أكثر وضوحًا وقدرة على المتابعة والضبط.
والجانب الآخر الذي لا ينبغي إغفاله هو التجارة المستترة وما تمثله من تشوه حقيقي للاقتصاد وسوق العمل. يحدث ذلك عندما يتحول المواطن في بعض الحالات إلى مجرد اسم على سجل تجاري، بينما تكون الإدارة الفعلية للنشاط والاستفادة الأكبر منه في يد آخرين. كما أن فتح سجلات متعددة بأسماء مختلفة أو تحت أنشطة متقاربة لممارسة نشاط واحد قد يتحول إلى وسيلة أخرى للتحايل على الأنظمة، سواء فيما يتعلق بالعمالة أو التعمين أو غيرهما من الالتزامات.
ولهذا فإن المطلوب ليس اتهام كل من يمتلك عدة سجلات، ولا وضع العراقيل أمام التوسع التجاري المشروع، وإنما التمييز بين المستثمر الحقيقي الذي تتوسع أعماله بصورة طبيعية، وبين من يستخدم تعدد الكيانات والسجلات وسيلة للالتفاف على النظام. وعلى ذلك، فإن الرقابة يجب أن تتطور بالسرعة نفسها التي تتطور بها أساليب التحايل.
وفي المقابل، فإن الحزم الذي ندعو إليه يجب أن يقترن بالعدالة، فلا تُعامل المخالفة البسيطة كما تُعامل المخالفة المتعمدة والمتكررة، وينبغي أن تكون هناك فرصة واضحة لتصحيح الأوضاع، ومسار للتظلم، ومعالجة الحالات التي يثبت فيها أن بعض الشركات مستقلة فعلًا في إدارتها ونشاطها وعمالتها. لكن معالجة الحالات الاستثنائية لا ينبغي أن تتحول إلى ثغرة تفرغ السياسة من مضمونها أو تعيدنا إلى المربع الأول.
بعد أكثر من نصف قرن من محاولات تنظيم سوق العمل ورفع نسب التعمين والإحلال، حان الوقت لمعالجة الممارسات الخاطئة بصورة أكثر حزمًا. فقد جُرّبت التوعية، ومُنحت المهل، ووُضعت النسب، وقُدمت الحوافز والتسهيلات، ولكن عندما تتحول المرونة إلى منفذ للتحايل، فلا بد أن يأتي التنظيم الأكثر صرامة، وكما يقال: "آخر العلاج الكي".
علينا كذلك أن نعترف بأن جزءًا من تركيبة القطاع الخاص وسوق العمل ظل لسنوات طويلة يعتمد بصورة كبيرة على العمالة الوافدة في الإدارة والتشغيل، ولذلك فإن إعادة التوازن ليست عملية سهلة ولا تتحقق بالتمنيات، وإنما تحتاج إلى قرارات وإجراءات تعيد للعامل الوطني موقعه الطبيعي في سوق وطنه، دون الإضرار بالاستثمار الحقيقي أو المؤسسات الجادة.
فالقطاع الخاص شريك أساسي في التنمية، ونريده قويًا ومنتجًا وقادرًا على المنافسة، لكننا نريده أيضًا قطاعًا صادقًا وأمينًا، يستوعب أبناء الوطن، وينقل المعرفة، ويرفع الإنتاجية، ويضيف قيمة حقيقية للاقتصاد، لا أن تصبح العمالة منخفضة التكلفة هي الأساس الذي تُبنى عليه بعض نماذج الأعمال، ثم تُستخدم تعددية السجلات لتدوير هذه العمالة وتجنب الالتزامات الوطنية.
نأمل أن تمضي وزارة العمل في تطبيق كل ما من شأنه تصحيح سوق العمل، وضبط الممارسات الخاطئة، وإعادة التوازن إليه، مع المحافظة على العدالة ووضوح الإجراءات وحقوق المؤسسات الملتزمة. فالغاية ليست معاقبة المستثمر، وإنما حماية الاستثمار الحقيقي والمنافسة العادلة، والأهم حماية حق المواطن في الحصول على فرصة عادلة في سوق عمل وطنه.
فالرقم المدني ليس مجرد رقم تعريفي؛ بل يمكن أن يكون أحد أهم مفاتيح ضبط سوق العمل، لأن السجلات قد تتعدد والأنشطة قد تتفرع، لكن المسؤولية لا ينبغي أن تتجزأ. وعندما ترتبط المسؤولية بصاحبها، تضيق مساحات التحايل، ويتسع مجال العدالة، ويصبح التعمين التزامًا حقيقيًا لا رقمًا يمكن توزيعه بين السجلات.