مرتضى بن حسن بن علي يكتب للشبيبة: كيف تعقّدت مشكلة البطالة ؟

مقالات رأي و تحليلات الأحد ٢٣/أغسطس/٢٠٢٦ ٢٣:٤١ م
مرتضى بن حسن بن علي يكتب للشبيبة: كيف تعقّدت مشكلة البطالة ؟

لم تولد مشكلة الباحثين عن عمل فجأة، ولم تكن نتيجة قرار واحد أو سياسة بعينها، بل تشكلت تدريجياً عبر عقود من السياسات الاقتصادية والتعليمية وسوق العمل التي لم تتحرك دائماً في اتجاه واحد. فمنذ أوائل التسعينيات بدأت ملامح المشكلة في الظهور، ثم أخذت تتسع لتشمل خريجي الجامعات والكليات، وتتحول من قضية توظيف إلى مشكلة اقتصادية واجتماعية وتنموية أكثر تعقيداً.

ولعل أحد المؤشرات اللافتة على عمق الخلل هو البعد الجغرافي للمشكلة؛ ففي نهاية عام 2018 كان نحو 87.5% من الباحثين عن عمل مسجلين في المحافظات خارج مسقط، مقابل 12.5% في العاصمة. وهذا التفاوت لا يعكس مشكلة في سوق العمل فحسب، وإنما يكشف أيضاً عن تركز جانب مهم من النشاط الاقتصادي والاستثمارات والفرص في مناطق محددة، وعدم نجاح التنمية المحلية في خلق أسواق عمل كافية في مختلف المحافظات."يُعد المرسوم السلطاني رقم 36/2022 الصادر في يونيو 2022 إلى تطبيق نهج اللامركزية، وتمكين المحافظين من تعزيز التنمية الاقتصادية، وتطوير الخدمات، وإدارة الموارد المحلية بكفاءة تماشياً مع رؤية عمان 2040."

النفط صنع الوفرة… لكنه أخفى المشكلة. 

من أهم جذور الأزمة اعتماد الاقتصاد، لعقود طويلة، على الإيرادات النفطية. فكلما ارتفعت أسعار النفط، توسع الإنفاق العام وازدادت قدرة الحكومة على التوظيف وتمويل المشروعات، فتحولت الدولة تدريجياً إلى أكبر مستوعب للقوى العاملة الوطنية واصبح اعداد القوى العاملة الوطنية في الأجهزة الحكومية اضعاف ما تحتاجها الحكومة. واصبح بند الأجور والرواتب يشكل ضغطا قويا على الميزانية العامة للدولة.

وكان التوظيف الحكومي، في مراحل مختلفة، حلاً سريعاً لمشكلة الباحثين عن عمل، لكنه ساهم في تأجيل مواجهة السؤال الأصعب: كيف نبني اقتصاداً قادراً بذاته على خلق وظائف منتجة ومستدامة؟

ومع توسع المشروعات الكبرى والبنية الأساسية، احتاج الاقتصاد في الوقت نفسه إلى أعداد كبيرة من العمالة الوافدة، خصوصاً في المهن الإنشائية والفنية والخدمية. وهكذا نشأت مفارقة ما زالت آثارها قائمة: اقتصاد يستورد العمالة بمئات الآلاف، وفي الوقت ذاته يعاني مواطنوه من صعوبة الحصول على فرص عمل مناسبة.

ولم يكن الخلل في وجود العمالة الوافدة بحد ذاته، فهي كانت ولا تزال ضرورة لقطاعات عديدة، وإنما في عدم استغلال مرحلة الطفرة الاقتصادية لبناء قاعدة إنتاجية وطنية ونقل المهارات والمعرفة والتكنولوجيا إلى القوى العاملة العُمانية.

عندما انفصل التعليم عن الاقتصاد.

كان التعليم جزءاً آخر من المشكلة. فقد توسع التعليم العالي بسرعة، وهو إنجاز اجتماعي مهم، لكن التوسع الكمي لم يصاحبه توافق مماثل بين التخصصات والمهارات التي تنتجها المؤسسات التعليمية وبين احتياجات الاقتصاد.

وأصبح الحصول على الشهادة الجامعية وشهادة الدكتوراه لدى شريحة من المجتمع مرتبطاً بالمكانة والوجاهة الاجتماعية والوظيفة المكتبية والدخل، بينما ظلت المهن التقنية والفنية والحرفية أقل جاذبية، رغم أن الاقتصاد كان في أمسّ الحاجة إليها.

وهنا نشأت فجوة خطيرة: السوق يحتاج إلى مهارات، بينما النظام التعليمي ينتج في حالات كثيرة شهادات وتخصصات لا يقابلها طلب كافٍ.

وفي الوقت الذي توسعت فيه الجامعات والكليات، لم يحظَ التعليم المهني والتقني بالمكانة الاجتماعية والاستثمار المؤسسي اللذين يستحقهما. والنتيجة أن الاقتصاد استمر في استيراد فنيين وعمال مهرة من الخارج، بينما ظل بعض الشباب العُماني ينتظر وظيفة تتوافق مع مؤهله وتوقعاته الاجتماعية.

لماذا لم تنجح سياسات التعمين وحدها؟

تعاملت وزارات العمل المتعاقبة مع المشكلة في جانب كبير منها باعتبارها قضية تنظيم لسوق العمل: تحديد نسب للتعمين، ورفع الحد الأدنى للأجور، وتقييد بعض المهن، وتنظيم استقدام العمالة الأجنبية، وتشديد إجراءات إنهاء خدمات المواطنين.

بعض هذه الإجراءات كان ضرورياً لحماية العامل الوطني، لكنه لم يكن كافياً لمعالجة جذور المشكلة.

فالوزارة المسؤولة عن العمل لا تستطيع بمفردها خلق اقتصاد منتج، ولا تستطيع إصلاح التعليم، أو توجيه الاستثمارات، أو إنشاء صناعات جديدة، أو توزيع التنمية جغرافياً. ومن هنا كان أحد أكبر اوجه القصور هو التعامل مع البطالة وكأنها مشكلة وزارة العمل بينما هي في حقيقتها مشكلة دولة واقتصاد ونظام تعليمي ومنظومة إنتاج متكاملة.

بل إن الإفراط في بعض القيود الإدارية قد يؤدي أحياناً إلى نتائج عكسية. ففي الاقتصاد الرقمي لم تعد الشركة مضطرة إلى نقل الموظف إلى عُمان لكي تستفيد من خدماته؛ إذ يمكن نقل أعمال المحاسبة والتصميم والبرمجة والخدمات المساندة إلى دول أخرى وتنفيذها عن بُعد. ولذلك فإن حماية الوظيفة بالقرار الإداري وحده تصبح أكثر صعوبة كلما أصبح الاقتصاد عالمياً ورقمياً.

القطاع الخاص ليس مجرد مخزن للوظائف.

ومن الأخطاء المتكررة مطالبة القطاع الخاص بتوظيف المواطنين دون النظر إلى قدرته على الإنتاج والمنافسة. فالقطاع الخاص لا يستطيع توفير وظائف مجزية ومستدامة إذا ظل جزء كبير منه قائماً على التجارة والاستيراد والخدمات منخفضة القيمة المضافة.

المطلوب ليس إجبار الشركات على زيادة أعداد العاملين فحسب، وإنما بناء شركات أكثر إنتاجية وربحية وقدرة على التصدير، لأن الوظيفة المستدامة نتيجة لاقتصاد منتج، وليست بديلاً عنه.

وهذا يتطلب إعادة توجيه الاستثمار نحو الصناعة والسياحة والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي والطاقة والتعدين والأمن الغذائي وخلق بيئة صديقة للاستثمار،إلى جانب تمكين المؤسسات الصغيرة والمتوسطة من التحول من أنشطة محدودة القيمة إلى مؤسسات منتجة وقابلة للنمو.

من التعمين العددي إلى التعمين الإنتاجي.

الحل إذن لا يكمن في حملة توظيف جديدة كلما ارتفع عدد الباحثين عن عمل، ولا في زيادة نسب التعمين بصورة آلية، بل في الانتقال إلى مفهوم جديد يمكن تسميته «التعمين الإنتاجي».

ومعناه أن تكون الأولوية لتأهيل المواطن لكي يصبح أكثر مهارة وإنتاجية وقدرة على المنافسة، وأن ترتبط الأجور والترقيات بالأداء والكفاءة، لا بالشهادة أو سنوات الخدمة وحدها، وأن يصبح التدريب المستمر جزءاً طبيعياً من الحياة المهنية، إضافة إلى تكبير حجم الاقتصاد وتنويعه.

ويتطلب ذلك أيضاً تغيير النظرة إلى التعليم الفني والمهني، وإشراك القطاع الخاص في تصميم البرامج التعليمية والتدريبية، والاستعانة بالتجارب الدولية الناجحة ،وتوجيه الاستثمارات إلى المحافظات، وربط الحوافز الحكومية للشركات بعدد الوظائف النوعية التي تخلقها وبمقدار القيمة المضافة التي تحققها للاقتصاد.

البطالة ليست قضية توظيف.

بعد أكثر من ثلاثة عقود من ظهور المشكلة، ربما يكون الدرس الأهم هو أن الباحث عن عمل يقف في نهاية سلسلة طويلة من القرارات التي تبدأ من المدرسة، وتمر بالجامعة والتدريب والاستثمار والسياسة الاقتصادية، وتنتهي في سوق العمل.

لذلك فإن تحميل وزارة العمل وحدها مسؤولية البطالة، أو تحميل القطاع الخاص أو العمالة الوافدة المسؤولية، يختزل قضية شديدة التعقيد في طرف واحد.

إن توفير فرصة عمل منتجة للمواطن ليس مجرد هدف اجتماعي، بل قضية اقتصادية وأمنية واستراتيجية. والطريق إلى ذلك لا يبدأ بقرار يمنع وافداً من ممارسة مهنة لكي يحل محله مواطن، وإنما يبدأ قبل ذلك بسنوات: بمدرسة أفضل، وتعليم مهني أقوى، واقتصاد أكثر إنتاجاً، وقطاع خاص اكبر وأكثر تنافسية، واستثمار موزع على المحافظات، ومؤسسات حكومية تعمل معاً وتُحاسب على النتائج.

عندها فقط يمكن أن ننتقل من سياسة توزيع الوظائف إلى سياسة صناعة الوظائف؛ ومن إدارة مشكلة الباحثين عن عمل إلى معالجة الأسباب التي أنتجتها أصلا.