صادق حسن اللواتي يكتب للشبيبة: ﴿لَوْ تَغْفُلُونَ﴾... القرآن ومنهج إدارة الصراع بين القوة والسلام

مقالات رأي و تحليلات الأحد ٢٣/أغسطس/٢٠٢٦ ٢٣:٤٤ م
صادق حسن اللواتي يكتب للشبيبة: ﴿لَوْ تَغْفُلُونَ﴾... القرآن ومنهج إدارة الصراع بين القوة والسلام

يقول الله تعالى: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾ [النساء: 102] . تكشف هذه الآية الكريمة عن مبدأ عميق في فهم طبيعة الصراع وإدارة المخاطر؛ فهي لا تتحدث عن السلاح بوصفه أداة عسكرية فحسب، بل تؤسس لمنهج في الوعي السياسي يقوم على اليقظة، وقراءة الواقع، والأخذ بأسباب القوة، وعدم تحويل الرغبة في السلام إلى غفلة استراتيجية. فالخطر لا يبدأ دائماً لحظة إطلاق النار، بل قد يبدأ عندما يفقد الطرف الآخر وعيه بطبيعة الصراع، أو يسيء قراءة نوايا خصمه، أو يتخلى عن عناصر قوته اعتماداً على وعود لا تحيط بها ضمانات حقيقية.

إن قوله تعالى: ﴿لَوْ تَغْفُلُونَ﴾ يلفت إلى حقيقة استراتيجية مهمة، وهي أن الهزيمة قد تبدأ في الوعي قبل أن تظهر في الميدان. فالخصم لا يحتاج دائماً إلى كسر إرادة خصمه بالقوة المباشرة، بل قد يسعى إلى إقناعه بأن الخطر انتهى، وأن الاستعداد لم يعد ضرورياً، وأن التخلي عن بعض عناصر القوة هو الطريق الوحيد لتحقيق السلام. وهنا تصبح الغفلة ثغرة سياسية وأمنية، لأن الدولة أو المجتمع قد يخسر أوراق قوته قبل أن يدرك أن الصراع لم ينته، وإنما انتقل إلى مرحلة أخرى.

هذا ولا يعني ذلك أن كل تفاوض أو اتفاق لنزع السلاح يقود إلى الخيانة أو الحرب؛ فالتاريخ يذكر اتفاقات وصلح أبرمت وأنهت صراعات طويلة وأسست للاستقرار. لكن التاريخ يعلمنا أيضاً أن التخلي عن عناصر القوة في ظل غياب الضمانات الحقيقية واختلال ميزان القوى قد يحول الأمان إلى ضعف، والوعد بالسلام إلى ندم. فالمشكلة ليست في السلام، بل في سلام لا تسنده ضمانات، وليست في التفاوض، بل في تفاوض يطلب من طرف أن يتخلى عن أدوات حمايته بينما يحتفظ الطرف الآخر بأوراق القوة والضغط.

وتقدم تجربة قرطاجة مع روما درساً تاريخياً مهماً. فقد فرضت روما، خلال الحرب البونيقية الثالثة، على قرطاجة تسليم كميات كبيرة من الأسلحة، واستجابت المدينة أملاً في تجنب الحرب. لكن المطالب لم تتوقف عند ذلك، بل تصاعدت وانتهى الأمر بحصار قرطاجة وسقوطها وتدميرها عام 146 قبل الميلاد. ولا يعني هذا أن كل اتفاق يقود إلى الخداع، بل يكشف أن التنازل غير المحكوم بضمانات متوازنة قد يشجع الطرف الأقوى على رفع سقف مطالبه.

وفي سياق مختلف، شهد تاريخ السكان الأصليين في أمريكا الشمالية معاهدات واتفاقات أضعفت قدرة شعوب وقبائل عديدة على المقاومة، مقابل وعود بالحماية والسلام. ومع تغير السياسات واختلال موازين القوة وعدم الالتزام بعدد من الاتفاقات، تعرضت تلك الشعوب للتهجير والعنف، وكانت مأساة الركبة الجريحة عام 1890 إحدى المحطات الرمزية في هذا التاريخ. والدلالة هنا ليست تمجيد السلاح، وإنما التأكيد على أن الطرف الذي يفقد وسائل الدفاع عن نفسه يحتاج إلى منظومة حقيقية من الضمانات السياسية والقانونية، لا إلى وعود تتغير بتغير المصالح.

فالصراع لا ينتهي دائماً بانتهاء المعركة. قد تتوقف المدافع لتبدأ حرب العقوبات، وقد تنتهي المواجهة العسكرية لتبدأ معركة سياسية أو اقتصادية أو إعلامية أو قانونية. ولهذا فإن الأمن في الدولة الحديثة لا يقتصر على حماية الحدود، بل يشمل الاقتصاد، والاستقرار السياسي، والتماسك الاجتماعي، والكفاءة المؤسسية، والقدرة العلمية والتكنولوجية، والوعي الشعبي.

إن القوة الحقيقية ليست مجرد امتلاك السلاح، بل امتلاك القدرة على الصمود واتخاذ القرار المستقل وإدارة الأزمات. فالدولة التي تمتلك جيشاً قوياً واقتصاداً هشاً، أو مجتمعاً منقسماً، أو مؤسسات ضعيفة، تبقى عرضة لأشكال أخرى من الضغط والإخضاع.

ومن هنا فإن المفاوضات ليست نقيضاً للقوة، بل ميدان آخر من ميادين إدارة الصراع. فكل طرف يدخل إلى طاولة التفاوض حاملاً ما يملكه من أوراق سياسية واقتصادية وعسكرية وقانونية. ولذلك فإن السؤال ليس: هل نتفاوض؟ بل: كيف نتفاوض؟ ومن أي موقع؟ وما الذي نكسبه؟ وماذا نقدم؟ وما الضمانات التي تمنع الاتفاق من أن يتحول إلى مرحلة جديدة من الضغط؟

وفي قلب هذه المعادلة يأتي الوعي بوصفه أحد أهم عناصر الأمن. فالمجتمع الذي لا يفهم طبيعة الصراع يصبح أكثر قابلية للتضليل والاختراق، والمواطن الذي يفتقر إلى الوعي الإعلامي والسياسي قد يشارك في إضعاف مجتمعه من حيث لا يدري. ولهذا فإن التعليم والإعلام والثقافة ليست مجالات منفصلة عن الأمن الوطني، بل هي جزء من بنيته الأساسية.

وأخطر أنواع الهزيمة أن تفقد الدولة أو المجتمع قدرتها على التفكير المستقل؛ فقد تخسر دولة معركة وتعيد بناء جيشها، وقد تمر بأزمة اقتصادية ثم تستعيد قدرتها، لكن فقدان القدرة على قراءة الواقع وتحديد المصالح يجعلها عرضة للهزيمة قبل أن تبدأ المعركة.

إن الوعي هو الذي يمنح القوة معناها، ويحدد متى تستخدم القوة ومتى يكون التفاوض ضرورة ؟، ومتى تكون التسوية مصلحة ؟ ومتى تتحول إلى تنازل خطير؟. فالقوة من دون وعي قد تتحول إلى تهور، والوعي من دون قدرة على الحماية قد يتحول إلى معرفة بالعجز.

ومن هنا فإن السلام الحقيقي ليس مجرد وقف لإطلاق النار، بل هو سلام يعالج أسباب الصراع ويحمي الحقوق ويمنع إعادة إنتاج العدوان. أما السلام الذي يقوم على إضعاف طرف بصورة أحادية وتجريده من وسائل الحماية من دون ضمانات متوازنة، فقد يكون مجرد مرحلة مؤقتة في انتظار صراع جديد.

إن القراءة المعاصرة لقوله تعالى: ﴿لَوْ تَغْفُلُونَ﴾ تقود إلى معادلة سياسية وأمنية واضحة: الوعي يحمي القرار، والقوة تحمي السيادة، والاقتصاد يحمي الاستقلال، والتماسك الاجتماعي يحمي الجبهة الداخلية، والدبلوماسية تحول القوة إلى تسويات، والاستعداد يمنع الخصم من تحويل السلام إلى فرصة للهيمنة.

فالسلام لا يعني التخلي عن القوة، والقوة لا تعني اختيار الحرب. وإنما تكمن الحكمة في امتلاك من الوعي ما يمنع الغفلة، ومن القوة ما يمنع العدوان، ومن المرونة ما يسمح بالتفاوض، ومن الضمانات ما يجعل السلام سلاماً حقيقياً لا وعداً مؤقتاً قد ينقلب، كما علمنا التاريخ، إلى ضعف وندم