الدكتورة فاطمة الفزارية تكتب للشبيبة: مبدعون من بلادي

مقالات رأي و تحليلات الثلاثاء ٠٤/أغسطس/٢٠٢٦ ١٣:٥٨ م
الدكتورة فاطمة الفزارية تكتب للشبيبة: مبدعون من بلادي
الدكتورة فاطمة الفزارية

بقلم : الدكتورة فاطمة الفزارية 

قبل مشاركتي مع لاعبات الأولمبياد الخاص العُماني في دورة الألعاب الإقليمية العاشرة للأولمبياد الخاص لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي أُقيمت في الجمهورية التونسية، كنت أظن أنني أعرف الكثير عن الأشخاص ذوي الإعاقة الفكرية، وأن خبرتي الطويلة في المجال الرياضي كافية لرسم صورة واضحة عن قدراتهم وإمكاناتهم.

لكن ما عشته هناك غيّر كثيرًا من قناعاتي، وأعاد ترتيب مفاهيمي، وأكد لي أن الإعاقة الحقيقية ليست في قدرات هؤلاء الأبطال، بل في نظرة المجتمع إليهم، وفي قلة الفرص التي تُمنح لهم.

خلال أيام البطولة، لم أرَ لاعبات يشاركن لمجرد الحضور أو إثبات الوجود، بل رأيت روحًا تنافسية عالية، وانضباطًا يضاهي ما نشاهده لدى الرياضيين المحترفين، وإصرارًا على تجاوز كل العقبات. شاهدت الابتسامة في أصعب اللحظات، والثقة بالنفس بعد كل إنجاز، والفرحة التي لا توصف عند رفع علم الوطن. عندها أدركت أن الرياضة لا تصنع الأبطال فحسب، بل تصنع الإنسان الواثق القادر على الاندماج والإنتاج والعطاء.

ورغم هذه النماذج المشرفة، ما زالت رياضة الأشخاص ذوي الإعاقة الفكرية تواجه تحديات حقيقية تستحق الوقوف عندها. أول هذه التحديات يتمثل في محدودية الوعي المجتمعي، إذ لا يزال البعض ينظر إليهم بعين الشفقة بدلاً من الإيمان بقدراتهم. وهذه النظرة، مهما كانت نوايا أصحابها طيبة، تُضعف فرص تمكينهم، وتحد من مشاركتهم في مختلف المجالات، وفي مقدمتها الرياضة.

كما أن اكتشاف المواهب لا يزال يعتمد غالبًا على المبادرات الفردية، بينما نحتاج إلى منظومة واضحة تبدأ من الأسرة، ثم المدرسة، ثم الأندية الرياضية، وصولاً إلى الجهات المختصة. فكثير من المواهب تضيع لأنها لم تجد من يكتشفها أو يحتضنها أو يمنحها الفرصة المناسبة في الوقت المناسب.

ومن التحديات أيضًا محدودية البطولات والبرامج المستمرة، إذ إن بعض اللاعبين يتدربون أشهرًا طويلة من أجل بطولة واحدة، ثم يدخلون في فترة من التوقف قد تؤثر على مستواهم الفني والبدني والنفسي والرياضي. أيًا كان، يحتاج إلى الاستمرارية، لأن الإنجاز لا يُبنى على المناسبات، بل على التخطيط طويل المدى.

ولا يمكن إغفال أهمية إعداد الكواد المتخصصة. فالتعامل مع الرياضيين من ذوي الإعاقة الفكرية يحتاج إلى مدربين وإداريين وأخصائيين يمتلكون المعرفة العلمية والمهارات الإنسانية معًا، ويعرفون كيف يحفزون اللاعب، ويتعاملون مع احتياجاته النفسية والسلوكية، ويصنعون منه بطلاً قادرًا على المنافسة.

ومن هنا، فإن الارتقاء بهذا القطاع لا يحتاج إلى حلول معقدة، بقدر ما يحتاج إلى رؤية واضحة وإرادة مشتركة. البداية تكون من نشر ثقافة الدمج والتمكين في المجتمع، وإبراز قصص النجاح التي يحققها أبطال الأولمبياد الخاص، حتى تصبح مصدر إلهام للآخرين، لا حالات استثنائية نمر مرور الكرام.

كما أن المدارس مطالبة بأن تكون الشريك الأول في اكتشاف المواهب، من خلال برامج رياضية مخصصة، وتعاون مستمر مع الأولمبياد الخاص والأندية والاتحادات الرياضية. فالمدرسة هي البيئة الأولى التي يمكن أن تكشف عن قدرات الطالب وتصنع بدايات نجاحه.

وفي الجانب المؤسسي، نحتاج إلى توسيع قاعدة المشاركة، وزيادة عدد البطولات المحلية، وإقامة معسكرات تدريبية منتظمة، مع توفير الدعم الفني والطبي والنفسي للاعبين. لأن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الأكثر استدامة. كما أن القطاع الخاص يستطيع أن يؤدي دورًا أكبر عبر رعاية البرامج والبطولات، انطلاقًا من مسؤوليته المجتمعية، فكل دعم يُقدم لهذه الفئة هو استثمار في مجتمع أكثر شمولاً وإنسانية.

ومن المهم أيضًا تسليط الضوء إعلاميًا على إنجازات هؤلاء الأبطال، فالإعلام شريك أساسي في صناعة الوعي، وعندما يرى المجتمع قصص النجاح والإنجاز، ستتغير كثير من المفاهيم الخاطئة، وسينتقل الحديث من الإعاقة إلى الإنجاز، ومن العجز إلى القدرة، ومن الشفقة إلى الاحترام.

أثبتت تجربتي أن الأشخاص ذوي الإعاقة الفكرية لا يحتاجون إلى من يتحدث عنهم بقدر ما يحتاجون إلى من يمنحهم الفرصة. فهم قادرون على رفع راية الوطن، وصناعة الإنجازات، وإيصال رسالة عظيمة مفادها أن الإرادة أقوى من كل التحديات.

وأخيرًا، فإن الدول لا تُقاس فقط بما تحققه من إنجازات اقتصادية أو عمرانية، بل تُقاس أيضًا بقدرتها على احتضان جميع أبنائها، وتمكينهم من المشاركة في بناء المستقبل. وعندما نتيح للأشخاص ذوي الإعاقة الفكرية فرصًا عادلة في الرياضة والتعليم والعمل، فإننا لا نخدم فئة بعينها، بل نبني مجتمعًا أكثر عدالة وتماسكًا وإنسانية.

لقد عدت من تونس وأنا أكثر يقينًا بأن هؤلاء الأبطال لا ينتظرون تعاطفًا، بل ينتظرون فرصة. وإذا مُنحت لهم الفرصة، فإنهم سيواصلون إبهارنا، وسيصلون مرة بعد أخرى أن الإرادة حين تتحدث... تصمت الإعاقة.