
بقلم : أحمد الجهضمي
لم تعد كرة القدم في العصر الحديث مجرد مباراة تُلعب داخل المستطيل الأخضر، بل أصبحت صناعة متكاملة تتشابك فيها الرياضة مع الاقتصاد والإعلام والتسويق والترفيه. وبين كل هذه العناصر يبقى الجمهور هو الركيزة الأساسية، فهو من يمنح المباريات قيمتها، ويصنع للأندية هويتها، ويحول البطولة من منافسة رياضية إلى قصة يعيشها المجتمع بكل تفاصيلها.
ولهذا فإن نجاح دوري جندال لا ينبغي أن يُقاس فقط بقوة المنافسة أو جودة الأداء الفني، بل بقدرته على إعادة الحياة إلى المدرجات، وبناء علاقة دائمة بين الدوري وجمهوره. فالدوريات الكبرى لم تصل إلى مكانتها الحالية لأنها تملك أفضل اللاعبين فحسب، وإنما لأنها نجحت في صناعة مشجع يشعر بأنه جزء من الحدث، وأن حضوره يمثل قيمة لا تقل عن قيمة اللاعب داخل الملعب.
إن عزوف الجماهير عن حضور المباريات لا يعني أن الشغف بكرة القدم قد تراجع، بل يعني أن توقعات المشجع تغيرت. فالجمهور اليوم يبحث عن تجربة متكاملة، تبدأ منذ خروجه من منزله، مرورًا بسبولة الوصول إلى الملعب، وجودة الخدمات، وروعة التنظيم، والفعاليات المصاحبة، وتنتهي بذكرايات جميلة تدفعه للعودة مرة أخرى. لقد أصبحت المنافسة على وقت المشجع شديدة في ظل تعدد وسائل الترفيه والمنصات الرقمية، ولذلك لم يعد يكفي أن نقول للجمهور: "احضروا المباراة"، بل يجب أن نقدم له سببًا حقيقيًا للحضور.
ومن هنا، فإن الحل يبدأ بتغيير طريقة التفكير. فالجمهور ليس متفرجًا، بل شريك في نجاح البطولة، والاستثمار فيه هو الاستثمار الأكثر استدامة. وكل ريال يُنفق على تحسين تجربة المشجع سيعود أضعافًا في صورة حضور جماهيري، ورعاية تجارية، وقيمة إعلامية أكبر للدوري.
ولعل من أهم التجارب الوطنية التي تستحق الوقوف عندها والاستفادة منها مبادرة "شجع فريقك"، التي أطلقتها وزارة الشؤون الرياضية سابقًا، واستمرت بدعم وزارة الثقافة والرياضة والشباب حتى أصبحت واحدة من أنجح المبادرات الرياضية في سلطنة عمان. فقد نجحت في إعادة الحماس إلى الملعب، وتعزيز الانتماء للأندية، وإيجاد منافسة جماهيرية راقية امتدت إلى مختلف المحافظات والولايات.
هذه التجربة تؤكد أن صناعة الجمهور ليست مستحيلة، وإنما تحتاج إلى رؤية واضحة وعمل منظم. ومن هنا يمكن لدوري جندال أن يستلهم هذه المبادرة ويطورها بما يتناسب مع دوري المحترفين، من خلال إشراك الأندية في قيادة العمل الجماهيري، وتفعيل روابط المشجعين، وتنظيم زيارات للمدارس والجامعات، وإقامة فعاليات مجتمعية، وإطلاق حملات مستمرة تجعل النادي حاضرًا في حياة المجتمع طوال الموسم، لا في يوم المباراة فقط.
كما ينبغي أن تتحول المنافسة بين الجماهير إلى قيمة مضافة للدوري عبر ترسيخ مفهوم التعصب الرياضي الإيجابي؛ ذلك الحماس الذي يصنع الأجواء الجميلة، ويمنح المباريات نكهتها الخاصة، دون أن يتجاوز حدود الاحترام والروح الرياضية. فالجماهير في أكبر دوريات العالم أصبحت عنصرًا أساسيًا في هوية الأندية، وصوت المدرجات بات جزءًا من المشهد الذي يجذب الملايين حول العالم.
ولعل أول قاعدة يجب أن تتبناها إدارة الدوري هي أن الجمهور هو الضيف الذهبي. ولذلك فإن تحسين تجربة يوم المباراة لم يعد رفاهية، بل ضرورتة. فالاهتمام بالمواقف، وسهولة الدخول والخروج، وتطوير المدرجات، وتوفير المطاعم والمقاهي، ومناطق الألعاب للأطفال، والأنشطة الترفيهية للعائلات، كلها تفاصيل صغيرة في ظاهرها، لكنها تصنع الفارق الحقيقي في قرار المشجع بالعودة مرة أخرى.
ولأن الإعلام شريك في النجاح، فإن دوره لا يجب أن يقتصر على نقل المباريات، بل على صناعة الحدث. فالدوري بحاجة إلى برامج أسبوعية احترافية، وحوارات تحليلية، وتقارير إنسانية عن اللاعبين والجماهير، إضافة إلى برنامج جماهيري ينتقل بين المدرجات، ويرصد قصص المشجعين، وينقل نبضهم، لأن الناس تريد أن ترى نفسها جزءًا من المشهد، لا مجرد متلقية له.
أما في العالم الرقمي، فلا بد أن يكون لدوري جندال حضور يومي، لا موسمي. فالمحتوى القصير، والكواليس، واللقطات الحصرية، والتحديات، والمسابقات، والتفاعل المباشر مع الجماهير، أصبحت أدوات أساسية في بناء الولاء للدوري، خصوصًا لدى فئة الشباب التي تقضي ساعات طويلة على المنصات الرقمية.
ومن المهم أيضًا استحداث مبادرات تحفز الجماهير، مثل جائزة أفضل جمهور في الموسم، وجائزة أفضل مبادرة جماهيرية، إلى جانب إتاحة الفرصة للأطفال لمرافقة اللاعبين عند دخولهم أرضية الملعب، وتنظيم لقاءات مفتوحة مع النجوم، وتكريم المشجعين الأكثر حضورًا. فهذه المبادرات لا تكلف الكثير، لكنها تصنع ارتباطًا عاطفيًا يدوم سنوات.
ولا يمكن إغفال دور القطاع الخاص، الذي ينبغي أن يكون شريكًا في صناعة التجربة الجماهيرية، لا مجرد راعٍ يضع شعاره على اللوحات الإعلانية. فاللعروض الخاصة لحاملي التذاكر، ورعاية مناطق الترفيه، وتنظيم الجوائز والفعاليات، كلها مبادرات تحقق مكاسب مشتركة للدوري والرعاة والجماهير.
لقد أثبتت التجارب العالمية أن الجماهير لا تأتي إلى الملعب تلقائيًا، وإنما نتيجة تخطيط طويل. ففي إنجلترا أصبحت المباراة تجربة عائلية متكاملة، وفي السعودية ساهمت الحملات التسويقية وتحسين الخدمات في زيادة الحضور الجماهيري بصورة كبيرة، بينما نجحت اليابان في ربط الأندية بمجتمعاتها المحلية حتى أصبح النادي جزءًا من هوية المدينة. وهذه التجارب تؤكد أن الاستثمار في الجمهور هو الطريق الأقصر لبناء دوري قوي ومستدام.
وفي النهاية، فإن إعادة الجماهير إلى المدرجات ليست مسؤولية إدارة الدوري وحدها، بل مسؤولية مشتركة بين الأندية، والإعلام، واللاعبين، والقطاع الخاص، والجماهير نفسها. وإذا أراد دوري جندال أن يصنع مستقبلاً مختلفًا، فعليه أن يجعل المشجع محور كل قرار، وأن يتعامل مع المدرجات باعتبارها القلب النابض للمسابقة، لا مجرد مقاعد تنتظر من يشغلها.
فالنجاح الحقيقي لن يتحقق عندما يرفع أحد الفرق كأس البطولة فقط، بل عندما تمتلئ المدرجات في كل جولة، ويصبح الذهاب إلى الملعب عادة أسبوعية للعائلات والشباب والأطفال. عندها فقط نستطيع أن نقول إن دوري جندال لم ينجح في تنظيم بطولة لكرة القدم فحسب، بل نجح في صناعة ثقافة رياضية جديدة، يكون فيها الجمهور البطل الأول، وتكون المدرجات العنوان الأجمل.