
ليست كل بطولة تُقاس بعدد المباريات، ولا كل استضافة تُختزل في جدول منافسات. هناك مدن تتحول، حين تستضيف حدثًا رياضيًا، إلى لغة جديدة للحوار، وإلى مساحة تلتقي فيها الثقافات قبل أن تتواجه المنتخبات. هكذا تبدو مسقط وهي تفتح أبوابها لبطولة غرب آسيا الثانية للكرة الطائرة للرجال؛ مدينة لا تستقبل فرقًا رياضية فحسب، بل تستضيف فكرة كاملة عنوانها أن الرياضة أصبحت جزءًا من مشروع حضاري عُماني متكامل.
في الكرة الطائرة، لا يمنحك الملعب وقتًا طويلًا للتفكير، ولا يسمح لك الخطأ بأن يعيش أكثر من لحظة. إنها لعبة تقوم على الثقة، والانسجام، وردة الفعل، والإيمان بأن الكرة الواحدة قد تغيّر مصير شوط كامل. وربما لهذا السبب تبدو هذه البطولة أكثر من مجرد منافسة إقليمية؛ فهي اختبار لنضج المشروع الرياضي في المنطقة، وللقدرة على صناعة بطولة تليق بالطموحات المتزايدة للعبة في غرب آسيا.
اختيار مسقط لاستضافة هذا الحدث لم يكن مصادفة. فالسلطنة رسخت خلال السنوات الأخيرة سمعة تنظيمية جعلتها محطة موثوقة للاتحادات القارية والإقليمية. وما نراه اليوم من جاهزية في الصالات، ودقة في التفاصيل اللوجستية، واستقبال احترافي للوفود، وتكامل بين الجوانب الفنية والإعلامية والطبية والتحكيمية، يعكس عقلية تؤمن بأن نجاح البطولة يبدأ قبل صافرة البداية بوقت طويل، وأن التنظيم الجيد هو أول انتصار يتحقق قبل أن تُحتسب أول نقطة.
في المقابل، تأتي المنتخبات السبعة وهي تحمل مدارس مختلفة في الأداء، وطموحات متباينة، لكنها تتفق على أن المنافسة ستكون واحدة من أكثر بطولات غرب آسيا تقاربًا في المستويات. قطر بخبرتها، والسعودية بمشروعها المتنامي، والكويت بتاريخها، والعراق ولبنان وسوريا بطموحها المتجدد، جميعها تدخل البطولة وهي تدرك أن الطريق إلى منصة التتويج لن يكون سهلًا في مدينة قررت أن تجعل من الرياضة احتفالًا يوميًا.
أما المنتخب العُماني، فهو يدخل البطولة بقصة مختلفة. البرونزية التي حققها في النسخة الماضية لم تكن نهاية الحكاية، بل بداية فصل جديد من الطموح. اللعب على الأرض يمنح أفضلية، لكنه يضاعف المسؤولية أيضًا. الجماهير العُمانية لن تكتفي بمشاهدة الأداء الجميل، بل تنتظر منتخبًا يعكس التطور الحقيقي الذي شهدته الكرة الطائرة في السلطنة خلال السنوات الأخيرة، سواء في إعداد اللاعبين أو تطوير المسابقات المحلية أو توسيع قاعدة الممارسة.
في مسقط، لا تبدو المدرجات مجرد مقاعد، بل امتدادًا لروح المدينة. مدينة بحرية تعلّمت من الموانئ معنى الانفتاح، ومن الجبال معنى الثبات، ومن تاريخها أن القوة الهادئة قادرة على صناعة الفارق. لذلك، فإن الهتاف هنا لا يصنع ضغطًا فقط، بل يمنح اللاعبين شعورًا بأنهم يمثلون وطنًا يرى في الرياضة إحدى أدوات حضوره الحضاري.
الكرة الطائرة ليست لعبة تعتمد على نجم واحد، بل على منظومة كاملة؛ تمريرة دقيقة، وحائط صد متماسك، وضربة ساحقة، وروح جماعية لا تنكسر. وربما في هذه الفلسفة تكمن الرسالة الأعمق لهذه البطولة. فكما لا ينتصر فريق بلا تعاون، لا تبني الدول مشاريعها الرياضية إلا بالشراكة بين المؤسسات والجماهير والطموح والإدارة.
وعندما تُطفأ أضواء المباراة النهائية، سيبقى في الذاكرة أكثر من اسم البطل. سيبقى مشهد مسقط وهي تؤكد مرة أخرى أنها ليست مجرد مدينة تستضيف البطولات، بل مدينة تعرف كيف تمنحها هوية. وسيبقى الانطباع بأن الكرة الطائرة العُمانية لم تعد تبحث عن مكان بين الكبار، بل بدأت تكتب قصتها بثقة، نقطةً بعد أخرى، وشوطًا بعد آخر، حتى يصبح الحلم منصةً، والمنصة عادة.