أيقونة الحياة الفطرية في عُمان معرضة لخطر الانقراض!!

مزاج الأحد ٠٥/يوليو/٢٠٢٦ ١٠:٠٠ ص
أيقونة الحياة الفطرية في عُمان معرضة لخطر الانقراض!!

عباس الزدجالي- الشبيبة 

قبل أربعة عشر عاماً، وتحديداً في عام ٢٠١٢، كتبت مقالاً بعنوان «تهريب السحالي بعد النيازك!» إثر ضبط السلطات الألمانية في مطار ميونيخ سائحاً قادماً من عُمان حاول تهريب عشرات السحالي والعظاءات العُمانية، بينها عدد كبير من ضبان «أبو كردفان» النادرة التي جمعها من صحارى المنطقة الوسطى.

في ذلك الوقت بدا الخبر طريفاً للبعض، لكنه كان في الحقيقة جرس إنذار مبكر حول تعرض أحد أندر الكائنات العُمانية لخطر الاستنزاف والتهريب. واليوم، وبعد مرور أربعة عشر عاماً، يعود هذا الجرس ليقرع من جديد بعد إعلان هيئة البيئة إحباط محاولة جديدة لتهريب الضب العُماني الشوكي «أبو كردفان» عبر مطار مسقط الدولي.

هذه الحادثة تطرح سؤالاً مشروعاً ومقلقاً: كم ضباً من هذا الكائن النادر نجح لصوص الحياة البرية في تهريبه خلال السنوات الماضية دون أن يتم اكتشافهم؟ وكم خسرت البيئة العُمانية من هذا النوع الفريد من الضبان الذي لا يوجد إلا في نطاق جغرافي محدود من بلادنا؟

ينتمي ضب «أبو كردفان» المعروف علمياً باسم Uromastyx thomasi (Thomas's Spiny-tailed Lizard) إلى مجموعة الضبان شوكية الذيل، إلا أنه يختلف عن الضب الشائع بحجمه الأصغر وشكله المميز وذيله شبه الدائري المفلطح. ويبلغ طول الضب البالغ عادة ما بين ٢٥ و٣٥ سنتيمتراً تقريباً، وهو أصغر حجماً وأكثر رشاقة من الضب الصحراوي المعروف في الجزيرة العربية. كما يتميز بألوان صحراوية تتدرج بين البني والرمادي تساعده على التمويه بين الصخور والحصى والأراضي الجافة التي يعيش فيها.

ومن أكثر السلوكيات التي تميزه ميله إلى اعتلاء الصخور والمرتفعات الصغيرة القريبة من جحره، حيث يشاهد كثيراً واقفاً في وضع شبه منتصب رافعاً رأسه إلى أعلى وكأنه يراقب ما يدور حوله أو يستطلع الأراضي المحيطة به. ويمنحه هذا السلوك قدرة أفضل على رصد المفترسات أو أي حركة غير مألوفة في محيطه الصحراوي المفتوح، كما يضفي عليه مظهراً فريداً يجعله من أكثر زواحف المنطقة الوسطى لفتاً للانتباه.

ويعتمد هذا الضب بصورة رئيسية على النباتات والأعشاب الصحراوية في غذائه، ويقضي معظم حياته في جحور يحفرها في الأراضي الصلبة والسهول الحصوية. وقد يصل طول الجحر إلى أكثر من متر ونصف المتر، مما يوفر له ملاذاً آمناً من حرارة الصيف الشديدة وبرودة الشتاء ومخاطر الحيوانات المفترسة.

ويعرف هذا النوع لدى سكان المنطقة الوسطى، ولا سيما الحراسيس، باسم «أبو كردفان»، وهو الاسم المحلي المتوارث الذي اشتهر به بين أبناء البادية منذ أجيال، وأصبح جزءاً من الذاكرة الطبيعية للمنطقة شأنه شأن كثير من النباتات والحيوانات الصحراوية التي ارتبطت بحياة الإنسان في تلك الأصقاع الواسعة من عُمان.

ويمتاز «أبو كردفان» أيضاً بأنه من الزواحف النهارية، إذ ينشط خلال ساعات الصباح الباكر وقبل غروب الشمس، بينما يلجأ إلى جحره خلال فترات الحر الشديد. كما أن بطء تكاثره ومحدودية نطاق انتشاره يجعلان أي استنزاف لأعداده في البرية، سواء بالتهريب أو جمع الأفراد الصغيرة، أمراً بالغ الخطورة على مستقبل النوع واستمراره.

ويقتصر انتشاره الطبيعي على أجزاء محدودة من المنطقة الوسطى، خاصة في نطاق جدة الحراسيس والحقف والمناطق الصحراوية المجاورة، ما يجعله من أكثر الزواحف ارتباطاً بالبيئة العُمانية. وتكمن خطورته في أن نطاق انتشاره محدود للغاية مقارنة بكثير من الحيوانات الأخرى، الأمر الذي يجعل أي استنزاف لأعداده مؤثراً بصورة مباشرة على مستقبله.

وقد صنفه الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (IUCN) ضمن الأنواع المهددة، كما أدرج ضمن الأنواع الخاضعة للحماية الدولية بموجب اتفاقية التجارة الدولية بالأنواع المهددة بالانقراض (CITES). ويكفي أن نعلم أن الطلب عليه في أسواق هواة الزواحف حول العالم مرتفع للغاية وأن أسعار بعض منها قد تصل إلى آلاف الريالات، لندرك سبب استمرار محاولات تهريبه.

ورغم الأهمية البيئية الكبيرة لضب «أبو كردفان»، فإن الدراسات العلمية المنشورة عنه لا تزال محدودة مقارنة بندرته وأهميته. فالمراجع العلمية المتاحة تشير إلى أن معظم ما نُشر عنه خلال العقود الماضية انصب على الوصف العلمي والتصنيف والتوزيع الجغرافي وبعض الملاحظات البيئية وبرامج الإكثار المحدودة في الأسر، بينما لا تزال المعلومات الدقيقة المتعلقة بأعداده الحقيقية في البرية واتجاهاتها ومستوى استقرار تجمعاته الطبيعية غير مكتملة. بل إن بعض الدراسات المتخصصة أشارت إلى أن وضعه في البرية يحتاج إلى مزيد من البحث والرصد الميداني.

ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى تنفيذ دراسة وطنية شاملة لهذا النوع الفريد، تشمل مسحاً ميدانياً لموائله الطبيعية في المنطقة الوسطى والحقف وجدة الحراسيس والمناطق المجاورة، بهدف تحديد نطاق انتشاره الحالي وتقدير أعداده التقريبية ومعدلات تكاثره والعوامل المؤثرة على بقائه. كما أن إنشاء برنامج وطني لإكثاره في الأسر ضمن مراكز الحياة الفطرية والمحميات المتخصصة سيكون بمثابة بوليصة تأمين للمستقبل، تضمن المحافظة على مخزون وراثي آمن لهذا النوع في حال تعرضت تجمعاته البرية لأي تراجع نتيجة التهريب أو التغيرات البيئية أو الضغوط البشرية. فالحفاظ على الأنواع النادرة لا يبدأ بعد وصولها إلى حافة الانقراض، بل قبل ذلك بسنوات طويلة.

ولعل ما يثير القلق أن هذا الكائن الجميل والهادئ يكاد يكون مجهولاً لدى كثير من العُمانيين، على الرغم من أنه يمثل جزءاً فريداً من تراثنا الطبيعي. فبينما يعرف الجميع المها العربي والنمر العربي، لا يزال «أبو كردفان» بعيداً عن دائرة الاهتمام العام، رغم أنه ربما يكون أكثر ندرة من كثير من الأنواع التي تحظى بشهرة واسعة.

ومن هنا فإن الوقت قد حان للنظر إلى هذا الضب الصغير باعتباره إحدى أيقونات الحياة الفطرية العُمانية. فهو نوع متوطن ومحدود الانتشار ويرتبط ارتباطاً وثيقاً ببيئات صحراوية فريدة لا توجد إلا في عُمان.

إن حماية هذا النوع لا تقتصر على ملاحقة المهربين فحسب، بل تتطلب برنامجاً وطنياً متكاملاً يشمل تشديد الرقابة على موائله الطبيعية، وتكثيف أعمال الرصد العلمي والدراسات الميدانية لمعرفة أعداده الحقيقية واتجاهاتها، وإنشاء برامج إكثار وصون احتياطية في مراكز الحياة الفطرية تحسباً لأي تراجع مستقبلي في أعداده البرية.

كما أن تطبيق أحكام قانون تنظيم الاتجار في الأحياء الفطرية الصادر عام ٢٠٢٤ بحزم أمر بالغ الأهمية، خاصة في مواجهة المهربين ومن يتعاون معهم أو يسهل لهم الوصول إلى مواقع الأنواع النادرة. فهذه الجرائم لا تستهدف حيواناً واحداً أو مجموعة أفراد فحسب، بل تستهدف جزءاً من الهوية البيئية لعُمان وثروة طبيعية لا يمكن تعويضها إذا فقدت. وإذا كان القانون الجديد قد شدد العقوبات على تهريب الأنواع المحمية، فإن الحفاظ على هذا الكائن الفريد يستوجب تطبيق هذه العقوبات بأقصى درجات الحزم والصرامة ليكون ذلك رادعاً لكل من تسول له نفسه العبث بتراث عُمان الطبيعي.

لقد نجحت الجهات المختصة في إحباط محاولة التهريب الأخيرة، وهو إنجاز يستحق الإشادة. غير أن النجاح الحقيقي سيكون عندما يتحول «أبو كردفان» من ضحية محتملة للتهريب إلى رمز وطني للحفاظ على الحياة الفطرية، وعندما يدرك الجميع أن حماية هذا الكائن الصغير ليست قضية بيئية فحسب، بل مسؤولية وطنية تجاه إرث طبيعي فريد أودعته الطبيعة في صحارى عُمان.

فربما آن الأوان لأن يحظى ضب «أبو كردفان» بالمكانة التي يستحقها، ليس فقط كنوع نادر مهدد بالانقراض، بل كأيقونة بيئية عُمانية تستحق الحماية والفخر. فالأمم لا تحافظ على كنوزها الطبيعية بعد اختفائها، بل قبل أن تصبح مجرد ذكرى في الكتب والصور. والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم: هل نتحرك لحماية «أبو كردفان» الآن، أم ننتظر اختفاءه حتى ندرك قيمته؟