
الشبيبة - العمانية
شهدت سلطنة عُمان تحولًا متسارعًا نحو الاقتصاد الرقمي، مدفوعًا بالتوسع الملحوظ في استخدام وسائل الدفع الإلكتروني، التي باتت تشكّل عنصرًا رئيسًا في الأنشطة التجارية والاستهلاكية اليومية. حيث سجّلت حركة التجارة نموًا ملحوظًا، أسهم في ارتفاع القوة الشرائية، مدفوعًا بتطور البنية الأساسية للتجارة الإلكترونية والخدمات الرقمية.
ويعكس النمو المتواصل في مؤشرات المدفوعات الرقمية ارتفاع مستوى الثقة بالحلول التقنية الحديثة، وتزايد الاعتماد على القنوات الإلكترونية في إنجاز المعاملات المالية، بما ينسجم مع مستهدفات التحول الرقمي وتعزيز كفاءة الاقتصاد الوطني.
وأظهرت بيانات حديثة تسجيل نمو ملفت في استخدام وسائل الدفع الرقمية خلال عام 2025، في ظل التطور المتسارع للبنية الأساسية للتجارة الإلكترونية والتقنيات المالية، إلى جانب توسع انتشار الخدمات المصرفية الرقمية.
ويؤكد هذا الأداء المتصاعد على تنامي النشاط التجاري وارتفاع وتيرة المعاملات الإلكترونية في مختلف القطاعات، بما يعزز مرونة بيئة الأعمال، ويرسّخ مكانة التقنيات المالية كأحد المحركات الرئيسة للنمو الاقتصادي.
ويرى عددٌ من المهتمين أن المدفوعات الرقمية لم تعد مجرد بديل للنقد التقليدي، بل أصبحت ركيزة أساسية لدعم التجارة الإلكترونية وتطوير الأسواق المحلية، لما توفره من سرعة وأمان وسهولة في تنفيذ المعاملات.
كما أسهمت في توسيع فرص المؤسسات الصغيرة والمتوسطة للدخول إلى الاقتصاد الرقمي، والوصول إلى شرائح أوسع من المستهلكين، بما يعزز التنافسية ويدعم جهود التنويع الاقتصادي.
وتشير بيانات البنك المركزي العُماني إلى أن قيمة معاملات بوابات الدفع الإلكتروني المحلية بلغت نحو 3.2 مليار ريال عُماني خلال عام 2025، محققة نموًّا بنسبة 76.3 بالمائة مقارنة بعام 2024، فيما ارتفع عدد المعاملات إلى أكثر من 168 مليون معاملة، بزيادة بلغت 150 بالمائة.
كما تجاوزت قيمة المعاملات المنفذة عبر أجهزة نقاط البيع 7.5 مليار ريال عُماني، مسجلة نموًّا بنسبة 33.2 بالمائة، في حين سجّلت معاملات الدفع عبر رمز الاستجابة السريعة أعلى معدلات النمو بين وسائل الدفع الرقمية، بنسبة 133.5 بالمائة، لتصل قيمتها إلى نحو 8 ملايين ريال عُماني، بما يعادل نحو ثلاثة أضعاف مستوياتها المسجلة في عام 2024.
وأكد الدكتور رجب بن علي العويسي، خبير الدراسات الاجتماعية والتعليمية في مجلس الدولة، على أن النمو المتسارع في استخدام وسائل الدفع الرقمية في سلطنة عُمان، وما يصاحبه من جهود مؤسسية في المتابعة والتقييم والرقابة، يعكس بوضوح نجاح السياسات الوطنية الهادفة إلى التحول الرقمي وتطوير البنية الأساسية للاقتصاد الحديث، بما ينسجم مع التوجهات الاستراتيجية لرؤية "عُمان 2040".
ووضح أن المدفوعات الرقمية أسهمت، من الناحية الاقتصادية في تسريع حركة الأموال وتقليل الاعتماد على النقد، الأمر الذي انعكس إيجابًا على كفاءة المعاملات التجارية وخفض تكاليف التشغيل على الأفراد والمؤسسات وتعزيز سرعة إنجاز العمليات المالية ورفع كفاءة الدورة الاقتصادية.
كما أشار إلى أن هذه المنظومة أسهمت في توفير بيانات دقيقة حول النشاط الاقتصادي، وهو ما يظهر جليًّا في الإحصاءات الوطنية والتقارير التخطيطية، ويسهم في دعم صنع القرار الاقتصادي على أسس أكثر دقة وشفافية.
أما من الناحية الاجتماعية، فوضح أن انتشار المدفوعات الرقمية يعكس تطورًا ملحوظًا في الثقافة الرقمية لدى المجتمع العُماني، وارتفاع مستوى الثقة في الحلول التقنية والخدمات الإلكترونية. وأشار إلى أن هذه الوسائل أصبحت جزءًا من السلوك اليومي للمستهلك العُماني والمقيم على حد سواء، سواء في عمليات التسوق أو سداد الفواتير أو الاستفادة من الخدمات الحكومية والخاصة، بما أسهم في تقليص الوقت والجهد والحدّ من طوابير الانتظار، وبالتالي تحسين جودة الحياة اليومية.
وأضاف أن الارتفاع المتواصل في حجم المدفوعات الرقمية يمثل تحولًا نوعيًّا في مسار التحول المؤسسي نحو تحقيق مُستهدفات رؤية "عُمان 2040"، لاسيما في ظل ما يرتبط بها من أطر حوكمة وتشريعات داعمة للتحول الرقمي، مبينا أن هذا الارتفاع لا يقتصر على المؤشرات الكمية فحسب، بل يعكس تحولًا عميقًا ومستدامًا في سلوك المستهلك العُماني الذي أصبح أكثر ميلًا واعتمادًا على البطاقات المصرفية والتطبيقات الذكية في تنفيذ معاملاته اليومية.
ولفت الدكتور رجب العويسي إلى أن هذا التحول ارتبط بارتفاع مستوى الوعي المالي والرقمي لدى الأفراد، وتزايد إدراكهم لأهمية توثيق معاملاتهم المالية، سواء في عمليات الشراء أو السداد أو التحويل، مع الاحتفاظ بسجلات إلكترونية دقيقة يمكن الرجوع إليها عند الحاجة، بما يعزز الحماية القانونية والمالية للمستهلك.
كما أصبح الأفراد أكثر قدرة على متابعة نفقاتهم وإدارة ميزانياتهم الشخصية عبر التطبيقات المصرفية الحديثة، وهو ما يمثل تطورًا نوعيًا مقارنة بالاعتماد التقليدي على النقد، الذي قد يفتقر إلى الدقة في التتبع ويزيد من احتمالات الاستنزاف غير المنظم للإنفاق.
وأكد على أن الدفع الإلكتروني يمثل أحد المحركات الرئيسة لنمو التجارة الإلكترونية وتطور الأسواق المحلية، إذ إن توافر وسائل دفع آمنة وسهلة الاستخدام يعزز ثقة المستهلك في عمليات الشراء عبر الإنترنت، وينعكس مباشرة على توسع المتاجر والمنصات الرقمية.
كما يسهم في تمكين المؤسسات الصغيرة والمتوسطة من دخول الأسواق الرقمية والوصول إلى شرائح أوسع من العملاء، إلى جانب تعزيز ثقة رواد الأعمال، وتشجيع الشباب على إطلاق مشاريعهم الخاصة في بيئة أكثر تنظيمًا وشفافية.
وأشار إلى أن المدفوعات الرقمية أسهمت كذلك في الحد من بعض الممارسات غير المنظمة المرتبطة بالتعاملات النقدية، مثل صعوبة توثيق الدخل اليومي أو احتمالات الاختلاس، فضلًا عن تعزيز الشفافية المالية داخل الأنشطة التجارية. وأن استخدام وسائل الدفع المعتمدة يوفر للمستهلك إثباتًا واضحًا للمعاملة، ويمنحه قدرة أكبر على تقديم الشكاوى والمطالبة بحقوقه، مقارنة ببعض التحويلات الشخصية غير المنظمة.
وبيّن أن منظومة المدفوعات الرقمية تجسد بوضوح مستهدفات رؤية "عُمان 2040" التي تركز على بناء اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار والتقنية. ووضح أن الاقتصاد الرقمي في جوهره يعتمد على بنية دفع إلكترونية متقدمة وآمنة تُمكّن الأفراد والمؤسسات من إجراء معاملاتهم بكفاءة ومرونة عالية، وهو ما توفره أنظمة الدفع الحديثة في سلطنة عُمان.
وأضاف أن هذه المنظومة تسهم في دعم التحول نحو الخدمات الحكومية الرقمية، وتقليل الإجراءات الروتينية، وتعزيز الكفاءة التشغيلية في مختلف القطاعات، بما ينعكس على تحسين بيئة الأعمال وزيادة جاذبية الاستثمار. كما تسهم في تعزيز ثقافة التعامل الرقمي لدى الأفراد والمؤسسات، وترسيخ استخدام الحلول التقنية في الحياة اليومية، وهو ما يمثل أحد المحاور الأساسية في مسار التحول الوطني نحو اقتصاد أكثر تنافسية واستدامة.
وقال إنه رغم النجاحات المتحققة في قطاع المدفوعات الرقمية، إلا أن استدامة هذا النمو تتطلب مواجهة عدد من التحديات المهمة، في مقدمتها تعزيز منظومة الأمن السيبراني، وتطوير أنظمة الحماية الإلكترونية، ورفع مستوى الوعي بمخاطر الاحتيال وسرقة البيانات المالية مؤكدا على أن الثقة تمثل العنصر الأهم في نجاح أي منظومة دفع رقمية، وأن أي اختراقات أو ممارسات احتيالية يمكن أن تؤثر سلبًا على هذه الثقة، مما يستدعي العمل على تعزيز البنية الأمنية الرقمية بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التوسع في نشر الثقافة المالية والرقمية بين مختلف فئات المجتمع، بدءًا من المراحل التعليمية المبكرة، بما يضمن إعداد جيل واعٍ قادر على استخدام وسائل الدفع الحديثة بطريقة آمنة ومسؤولة.
وأشار إلى وجود بعض الممارسات التجارية غير المنضبطة التي تستدعي مزيدًا من الرقابة والمتابعة، مثل مطالبة بعض المنشآت بتحويل قيم المشتريات إلى حسابات شخصية بدلًا من استخدام أنظمة الدفع الرسمية، أو عدم التزام بعض الأنشطة بتوفير أجهزة الدفع الإلكتروني، خصوصًا في قطاعات خدمية متعددة.
وأكد على أن هذه الممارسات تمثل تحديًا حقيقيًا يتطلب تشديد الرقابة، وضمان التزام جميع المنشآت بتوفير وسائل دفع إلكترونية معتمدة، باعتبار ذلك حقًا أساسيًا للمستهلك، ومسؤولية مباشرة على صاحب النشاط التجاري، سواء كان مواطنًا أو مقيمًا.
فيما أكد الدكتور عصام بن حسين اللواتي، الأكاديمي والباحث في مجال التسويق والابتكار وريادة الأعمال بجامعة التقنية والعلوم التطبيقية بمسقط على أن سلطنة عُمان تشهد تحولًا نوعيًّا متسارعًا في منظومة المدفوعات الرقمية، يتجاوز البعد التقني ليعكس تحولات أعمق في البنية الاقتصادية والسلوك الاجتماعي، بما يستدعي قراءة متوازنة لهذا المسار في سياقاته المختلفة.
ووضّح أن هذا التحول أسهم في تعزيز الشمول المالي وتسريع حركة الأموال وتوثيق المعاملات وتقليص الاقتصاد غير الرسمي، بما يدعم كفاءة الاقتصاد وشفافيته إلى جانب توفير بيانات أدق لصناعة القرار الاقتصادي.
وأشار إلى أن الانتشار الواسع للمدفوعات الرقمية يعكس تغيرًا في السلوك المالي للأفراد، غير أنه يطرح تحديات مرتبطة بـ”تلاشي ألم الدفع”، ما قد يؤدي إلى زيادة النزعة الاستهلاكية، الأمر الذي يتطلب تعزيز الثقافة المالية الرقمية.
وبيّن أن هذا التحول أعاد تشكيل نماذج الأعمال، حيث أصبحت التجارة متعددة القنوات ضرورة، وبرزت نماذج مثل “اشترِ الآن وادفع لاحقًا” والتمويل المدمج، والتي تسهم في تنشيط السوق لكنها تستدعي أطرًا تنظيمية لحماية المستهلك وضبط المخاطر، إلى جانب دعم المنشآت الصغيرة لمواكبة التحول الرقمي.
وأكد على أن منظومة المدفوعات الرقمية تمثل ركيزة أساسية في تحقيق أهداف رؤية "عُمان 2040"من خلال دعم الاقتصاد الرقمي، وتسهيل الخدمات الحكومية، وتعزيز بيئة الأعمال، وتمكين ريادة الأعمال.
وأضاف أن هذا التحول يدعم تنويع مصادر الدخل عبر تعزيز السياحة والتجارة والاستثمار، مع الحاجة إلى تطوير الكفاءات الوطنية في التقنيات المالية والأمن السيبراني لضمان استدامة النمو.
وأشار إلى أن مستقبل القطاع يرتبط بثلاثة مسارات محتملة تشمل النضج المؤسسي، أو النمو غير المتوازن، أو تحقيق الريادة الإقليمية، وأن استدامته تعتمد على الوعي المالي والتنظيم الاستباقي وتعزيز الأمن السيبراني.
من جانبه، وضح الدكتور علي حسين ترحيني، أستاذ مشارك بقسم نظم المعلومات في جامعة السلطان قابوس، أن الدفع الرقمي في سلطنة عُمان لم يعد خيارًا إضافيًّا، بل أصبح جزءًا أساسيًّا من الحياة اليومية، مشيرًا إلى أن هذا التحول أصبح ملموسًا في مختلف الأنشطة التجارية، حيث باتت المدفوعات الإلكترونية حاضرة في المتاجر والمقاهي والأسواق المحلية في جميع المحافظات.
وبيّن أن هذا التحول أسهم في رفع كفاءة التجارة وتسريع حركة المال، كما فتح المجال أمام المؤسسات الصغيرة والمتوسطة للاندماج في الاقتصاد الرقمي بتكلفة أقل من النماذج التقليدية، وهو ما عزز فرص النمو والتوسع لهذه المؤسسات، خاصة في ظل ازدهار التجارة الإلكترونية والمنصات الرقمية.
وأكد على أن المجتمع العُماني بات أكثر ثقة في التقنيات الحديثة، خصوصًا بين فئة الشباب، حيث أصبحت السرعة والسهولة عنصرين أساسيين في تجربة المستهلك، ولم تعد مجرد مزايا إضافية. وأضاف أن هذا التحول لم يعد مقتصرًا على المدن الكبرى، بل بدأ يمتد إلى مختلف المحافظات والشرائح الاجتماعية، بما يعكس اتساع قاعدة الاستخدام الرقمي.
وقال إن أنظمة الدفع الرقمي أسهمت بشكل مباشر في تعزيز نمو التجارة الإلكترونية، من خلال توفير تجربة دفع سلسة وآمنة، وهو ما شجع المستهلكين على زيادة الإقبال على التسوق الإلكتروني. كما أسهمت في دعم المشاريع الناشئة والمتاجر الصغيرة، بما في ذلك المشاريع المنزلية، التي وجدت في الحلول الرقمية وسيلة فعالة لتوسيع أعمالها والوصول إلى عملاء جدد.
وأشار إلى أن هذا التطور انعكس أيضًا على طبيعة السوق المحلي، حيث أصبح تنوع وسائل الدفع جزءًا أساسيًّا من تجربة التسوق الحديثة، وأحد عوامل التنافسية بين المتاجر. كما أسهم في ترسيخ ثقة المستهلك في التعاملات الإلكترونية، والحد من الاعتماد على النقد، بما عزز مرونة السوق وسرعة التفاعل مع المتغيرات الاقتصادية.
وأكد على أن التحول الرقمي في مجال المدفوعات يمثل ركيزة أساسية في دعم الشمول المالي والتحول الاقتصادي في سلطنة عُمان، مشيرًا إلى أن نجاح هذا المسار لا يعتمد على التكنولوجيا وحدها، بل على قدرة المجتمع والمؤسسات على تبني ثقافة رقمية متكاملة، تجعل من الابتكار والمرونة أساسًا للتنمية الاقتصادية المستقبلية.