حين أنجبت الأرجنتين الرقم عشرة مرتين.. "الشبيبة" ترصد كيف أعاد مارادونا وميسي تعريف العبقرية؟

الجماهير الأحد ١٩/يوليو/٢٠٢٦ ١٨:٥٢ م
حين أنجبت الأرجنتين الرقم عشرة مرتين.. "الشبيبة" ترصد كيف أعاد مارادونا وميسي تعريف العبقرية؟
حين أنجبت الأرجنتين الرقم عشرة مرتين اليوم.. نهائي كأس العالم حائر بين التانجو واللاروخا

بقلم: سالم الحبسي

على أعتاب النهائي المرتقب بين "التانجو" و"اللاروخا".. قراءة في إرث مارادونا وميسي، ولماذا تبدو كرة القدم أقل جمالًا كلما ابتعدنا عن عبقرية القدم اليسرى؟

تتجه أنظار عشاق كرة القدم العالمية، في الحادية عشرة من مساء اليوم (بتوقيت سلطنة عُمان)، صوب الملعب الذي سيجمع بين "التانجو" الأرجنتيني و"اللاروخا" الإسبانية في نهائي مرتقب. وفي حين يترقب العالم من يبتسم له الحظ ويرفع الكأس، تقف في الخلفية قصة أخرى أعمق وأبقى.. حكاية "الرقم 10".

الأرجنتين.. حيث تُولد العبقرية من رحم الألم

"في بعض البلدان، تُقاس العظمة بما تملكه من ثروات أو جيوش. أما في الأرجنتين، فهناك مقياس آخر للعظمة.. قدمٌ يسرى تستطيع أن تجعل أمةً كاملة تبكي من الفرح."

لم تكن الأرجنتين يومًا أغنى دول العالم، ولا أكثرها استقرارًا، لكنها امتلكت ثروةً لا تُقاس بالناتج المحلي ولا بأسعار الذهب. امتلكت قدرةً فريدة على تحويل الألم إلى فن، والهزيمة إلى قصة، والفقر إلى حلم. وفي الأرجنتين، لا تُولد الكرة في الأكاديميات الحديثة فحسب، بل في الأزقة الضيقة، وعلى الأرصفة المتشققة، حيث لا يكون المرمى سوى حقيبتين مدرسيتين، ولا الحكم سوى ضمير الأطفال. هناك، لا يتعلم الطفل كيف يركل الكرة فحسب، بل كيف يصادقها ويجعلها جزءًا من شخصيته.

ومن تلك التربة الخصبة، خرج رجلان غيّرا تاريخ اللعبة إلى الأبد، يفصل بينهما سبعة وعشرون عامًا، لكن المسافة الحقيقية بينهما لم تكن زمنًا، بل عصرين مختلفين: دييغو أرماندو مارادونا، وليونيل أندريس ميسي.

طريقان مختلفان.. ونهاية واحدة

هناك لاعبون يملؤون خزائنهم بالألقاب ولا يتركون في الذاكرة سوى أرقام، وهناك لاعبون يحفرون أسماءهم في الوجدان قبل كتب التاريخ. مارادونا وميسي ينتميان إلى الصنف الثاني؛ ليس لأنهما ارتديا الرقم عشرة أو فازا بكأس العالم، بل لأنهما منحا الملايين شعورًا نادرًا: أن المستحيل يمكن أن يصبح حدثًا عاديًا إذا كانت الكرة عند القدم المناسبة.

تاريخ كرة القدم هو تاريخ تطور الخطط، من (2-3-5) إلى (الكاتيناتشو)، فالكرة الشاملة، فالضغط العالي. كانت اللعبة تصبح أكثر انضباطًا واعتمادًا على الجماعة. لكن في كل مرة بدا فيها أن التكتيك انتصر على الفرد، ظهر لاعب يذكّر الجميع بأن العبقرية لا تزال قادرة على كسر أكثر الخطط إحكامًا. كان ذلك اللاعب أولًا مارادونا، ثم أصبح ميسي.

صعد مارادونا من فقر "فيا فيوريتو" ليواجه العالم بجسد صغير وثقة لا تتناسب مع عمره. أما ميسي، فقد كانت معركته الأولى مع مرض نقص هرمون النمو، وغادر وطنه صغيرًا حاملًا حلم مدينة كاملة. مارادونا صعد من الفقر ليواجه العالم، وميسي غادر وطنه ليعود إليه بطلاً. طريقان مختلفان، لكن النهاية كانت واحدة: جعل كلاهما "الرقم 10" رمزًا لهوية وطنية كاملة.

هندسة الفوضى.. مقابل هندسة السيطرة

العبقرية في كرة القدم ليست كلمةً شعرية، بل هي القدرة على رؤية ما لا يراه الآخرون، واتخاذ القرار الصحيح في اللحظة التي لا تسمح بالخطأ. لكن كل واحد منهما وصل إليها بطريقته الخاصة:

مارادونا (سيد الفوضى المنظمة): لم يكن مارادونا يحب النظام الصارم؛ كان يحتاج إلى الفوضى لكي يظهر. جسده القصير ومركز ثقله المنخفض تحولا إلى ميزة تكتيكية، جعلت منه لاعبًا يستلم الكرة في مناطق محرمة ويحول لحظة دفاعية للخصم إلى لحظة هجوم في ثوانٍ. في نابولي وفي مونديال 1986، لم يكن مارادونا مجرد نجم، بل كان "نظامًا تكتيكيًا كاملًا" يجبر الخصم على تغيير طريقة لعبه.

ميسي (مهندس السيطرة): إذا كان مارادونا يمزق التنظيم بالقوة، فإن ميسي يفككه بالهندسة. في عصر أصبحت فيه المساحات عملة نادرة، أخذ ميسي الفكرة إلى مستوى جديد. بمفهوم "المهاجم الوهمي" تحت قيادة بيب غوارديولا، لم يعد ميسي ينتظر الكرة، بل كان ينسحب للخلف ليسحب المدافعين، ويخلق المساحات باستخدام سرعته الذهنية قبل الجسدية. لم يكن ميسي يهزم المدافع فحسب، بل كان يهزم "القرار" الذي يتخذه المدافع.

عندما يصبح اللاعب "وطناً"

كان مارادونا ظاهرة اجتماعية وثقافية. في مونديال 1986، لم يكن المنتخب الأرجنتيني مجرد مجموعة لاعبين، بل كان فريقًا يقوده رجل يعيش المباراة كمعركة شخصية. هدفه أمام إنجلترا لم يكن مجرد أجمل هدف في التاريخ، بل كان تلخيصًا لشخصيته. وكما قال زميله خورخي فالدانو: "كان مارادونا يمنحنا الإيمان حتى عندما تكون الظروف ضدنا".

أما ميسي، فهو "هدوء العاصفة". لو كان مارادونا يصرخ في وجه التاريخ، فإن ميسي يجعله يصمت احترامًا. في كأس العالم 2022، لم ينتصر ميسي لأنه رفع الكأس فحسب، بل لأنه أثبت أن القيادة يمكن أن تكون هادئة، وأن اللاعب يمكن أن يجعل الجميع يشعرون بالأمان لمجرد وجود الكرة عند قدميه.

ماذا قال العظماء؟

لم تأتِ مكانة الأسطورتين من الجماهير فحسب، بل من من عاشوا اللعبة في أعلى مستوياتها:

يوهان كرويف: كان يرى أن اللاعب العظيم هو من يجعل الأمور المعقدة تبدو بسيطة. مارادونا جعل المستحيل ممكنًا، وميسي جعل المعقد يبدو سهلًا.

بيب غوارديولا: تحدث مرارًا عن قدرة ميسي الاستثنائية على اتخاذ القرار، مؤكدًا أن قيمته لم تكن في التسجيل فحسب، بل في فهمه الكامل لفلسفة اللعبة.

خورخي فالدانو: رأى في مارادونا أكثر من موهبة؛ رأى لاعبًا يمتلك تأثيرًا نفسيًا يجعل زملاءه يشعرون بأن لديهم دائمًا فرصة للفوز.

الإنسان خلف الأسطورة

هناك خطأ شائع عند الحديث عن العظماء؛ أننا نرى النجم وننسى الإنسان. مارادونا عاش حياة مليئة بالتناقضات، وأحبته الجماهير لأنه لم يكن شخصية مصقولة بلا عيوب، بل كان إنسانًا بكل قوته وضعفه. أما ميسي، فاختار طريق الهدوء، مبتعدًا عن الصخب، لكنه تحمل ضغطًا هائلًا؛ ضغط أن تكون دائمًا الأفضل، وأن تحمل آمال بلد بأكمله. في النهاية، دفع كل واحد منهما ثمن العبقرية بطريقته.

لماذا لن يتكررا؟

في نهاية كل عصر، يبحث الناس عن البطل الوحيد، لكن كرة القدم مثل الفن؛ لا يمكن أن نضع لوحة بيكاسو بجانب سيمفونية بيتهوفن ونطلب من أحدهما أن ينتصر. مارادونا وميسي ليسا منافسين في الذاكرة، بل شريكان فيها.

مارادونا سيبقى رمزًا لعصر كانت فيه الكرة أكثر خشونة وعاطفية، الرجل الذي جعل الحلم يبدو ممكنًا لأطفال الأحياء الفقيرة. أما ميسي، فقدم عبقرية الاستمرارية، الرجل الذي جعل الحفاظ على القمة لأكثر من عقد ونصف معجزة بحد ذاتها.

الإرث الحقيقي.. ما بعد الأرقام

الأرقام والألقاب مهمة، لكنها لا تشرح كل شيء. كيف نقيس لحظة طفل في الأرجنتين يمسك كرة ويقلد مارادونا؟ كيف نقيس تأثير لاعب جعل ملايين البشر يجتمعون أمام شاشة واحدة في لحظة فرح؟

العظماء لا يتركون فقط أرقامًا خلفهم؛ يتركون طريقة جديدة للنظر إلى الأشياء. قبل مارادونا، كان الناس يعرفون أن لاعبًا يمكن أن يحمل فريقًا. بعده، أصبحوا يعرفون أن لاعبًا يمكن أن يحمل أمة. وقبل ميسي، كانوا يعرفون أن الموهبة يمكن أن تستمر. بعده، أصبحوا يعرفون أن العبقرية يمكن أن تصبح عادة يومية.

ستستمر كرة القدم، وستظهر مواهب جديدة تكسر الأرقام. لكن هناك فرقًا بين تحطيم الأرقام وصناعة الأسطورة. الأسطورة هي ما يبقى بعد أن يغادر اللاعب الملعب. مارادونا وميسي منحا العالم لحظات، واللحظات هي العملة الحقيقية لكرة القدم.

لهذا، عندما يُقال إنهما من كوكب آخر، فالمعنى ليس أنهما لم يكونا بشريين. بل العكس تمامًا؛ لقد كانا بشريين، ولهذا كانت قصتهما عظيمة. طفلان من الأرجنتين، كرة، حلم، وطريق طويل من الألم والعمل والموهبة. ثم جاء العالم كله ليشهد شيئًا نادرًا: أن الكرة، في بعض اللحظات، لا تكون مجرد لعبة.. بل تصبح شعرًا. ومارادونا وميسي كانا من أولئك الذين جعلوا العالم يقرأ هذا الشعر.