المخرج أنور الرزيقي: السّينما في سلطنة عُمان مساحةٌ لإعادة اكتشاف الذّات ورصد قضايا المجتمع من زوايا مبتكرة

مزاج الاثنين ١٨/مايو/٢٠٢٦ ١٢:١٥ م
المخرج أنور الرزيقي: السّينما في سلطنة عُمان مساحةٌ لإعادة اكتشاف الذّات ورصد قضايا المجتمع من زوايا مبتكرة

الشبيبة - العمانية 


 يرى المخرج السينمائي العُماني أنور بن خميس الرزيقي، أن السينما في سلطنة عُمان تمثل منصّة فكريّة وثقافيّة تتجاوز مفهوم الترفيه، لتصبح مساحة لإعادة اكتشاف الذات ورصد قضايا المجتمع من زوايا مبتكرة، واصفًا السينما بأنها "طريقة للتفكير" ووسيلة لالتقاء الوعي بالخيال.

وقال المخرج "الرزيقي" الذي يرأس مجلس إدارة الجمعية العمانية للسينما في تصريح لوكالة الأنباء العُمانية إن البرامج والفعاليات التي تنظمها الجمعية كشفت عن تحول ملموس في رؤية الشباب العُماني تجاه الفن السابع، حيث يظهر ذلك جليًّا من خلال حرصهم على تقديم رؤى بصرية تعبر عن هُويتهم وتطلّعاتهم، مشيرًا إلى تجربة مخيم «وَثّق» لصناعة الأفلام الوثائقية، الذي أسهم في ترسيخ مفهوم أن الفيلم الوثائقي ليس مجرد تسجيل للواقع، بل هو بحثٌ في القصص الإنسانية والمكانية التي تزخر بها سلطنة عُمان.

ووضّح أن لجان تحكيم المسابقات المحلية كشفت عن بروز جيل جديد من صناع الأفلام يمتلك وعيًا عميقًا ولغة سينمائيّة حديثة، مما يعزز قيمة الحراك السينمائي في رفد المجتمع بطاقات شابة تتسم بالجرأة في التعبير عن أفكارها. وأن هذا الحراك يمنح الشباب العُماني الثقة بأن قصصهم تستحق الوصول إلى الشاشة، مما يسهم في تمكينهم من أداء دور محوري في تشكيل المشهد الثقافي والسينمائي العُماني، بما يتماشى مع التطورات الفنية التي يشهدها العالم.

وحول توظيف التقنيات الحديثة، قال الرزيقي إن الذكاء الاصطناعي يُعد "صديقًا مُلهمًا" ورفيقًا لتطوير أدوات المخرج العُماني، حيث يسهم في اختصار العمليات التقنية المرهقة وتوسيع الرؤية البصرية، وأن الإنسان يظل هو الأصل في العملية الإبداعية، وأن الآلة وسيلة لصقل تلك الرؤية للوصول إلى المعايير العالمية مع الحفاظ على الهُوية والأصالة العُمانية.

وأضاف أن هذه التقنية تعمل كـ "رفيق تطوير" يساند المخرج في مراحل العمل المختلفة، بدءًا من تخيل المشاهد السينمائية قبل بنائها، وضبط الإيقاع الفني للأفكار قبل تحويلها إلى حوارات مكتوبة، فضلًا عن رسم المسار البصري المتكامل قبل البدء في تجهيز مواقع التصوير الفعلية.

وأشار إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يمثل تهديدًا أو بديلًا للعنصر البشري في العمل الإبداعي، بل هو أداة تقنية متطورة تصقل رؤية المخرج السينمائي العُماني، وتساعده على مواكبة التطور التقني العالمي مع الحفاظ الكامل على الأصالة، والهوية، والروح المحلية العُمانية المستمدة من الإرث الثقافي لسلطنة عُمان.

وأكد المخرج السينمائي على أن الحراك السينمائي في سلطنة عُمان شهد تحولًا نوعيًّا خلال السنوات الماضية، تمثل في الانتقال من مرحلة الشغف والمبادرات الفردية إلى مرحلة العمل المؤسسي المنظم. وبين أن هذا التحول يأتي نتاجًا للبرامج وحلقات العمل والمبادرات المنهجية ومنها مخيم «وَثّق» لصناعة الأفلام الوثائقية لتحويل الإبداع الفردي إلى منظومة مستدامة وقابلة للنمو، قادرة على تحويل القطاع السينمائي إلى محرك اقتصادي يستقطب المواهب الوطنية. مبينًا أن حلقات العمل التخصصية في مجالات الكتابة، والإخراج، والتصوير، والمونتاج، أسهمت في إيجاد بيئة تعليمية حقيقية طوّرت مهارات الشباب العُماني بطرق علمية ومنهجية.

ويرى رئيس مجلس إدارة الجمعية العُمانية للسينما أن المهرجانات السينمائية، والليالي والعروض المفتوحة، واللقاءات مع الخبرات المحلية والعربية والدولية، عززت الوعي السينمائي وفتحت مساحات واسعة للحوار والتجربة الفنية. وأن المشاركات الخارجية في المهرجانات الدولية شكلت فرصة سانحة لصناع الأفلام العُمانيين للاحتكاك المباشر مع المدارس والتجارب العالمية، مما أسهم في إثراء المشهد الثقافي والسينمائي المحلي وتوسيع آفاقه الفنية.

وقال الرزيقي إن التحديات الإنتاجية الراهنة التي يواجهها قطاع السينما تُعد فرصة سانحة للابتكار والبحث عن حلول جديدة، تهدف إلى صياغة "لغة بصرية عُمانية" فريدة وتحويل الخصوصية البيئية المحلية إلى ميزة تنافسية تُبرز الأفلام العُمانية في المهرجانات الدولية. مضيفًا أن الجمعية تعمل حاليًّا على إدارة ملف تنظيم قطاع السينما لتوحيد الجهود والانتقال من المبادرات الفردية والمتفرقة إلى منظومة عمل متكاملة، حيث قدمت العديد من المرئيات والمقترحات التي تلامس احتياجات المخرجين، وتسهم في تسهيل الإجراءات الخاصة بالإنتاج، والحصول على التصاريح والمواقع، وتقديم الدعم اللوجستي اللازم لبناء صناعة سينمائية مستدامة.

وتابع أن الجمعية تواصل جهودها في التعريف بمشروع "اصنع فيلمك في عُمان" لجذب شركات الإنتاج العالمية للتصوير داخل سلطنة عُمان، مُستهدفة إيجاد حركة إنتاجية قوية تتيح لصنّاع السينما الأجانب العمل في بيئة عُمانية غنية ومناسبة. وأن المشروع قد تم التقديم والترويج له في عدة محافل دولية بارزة، شملت إكسبو دبي 2020، وإكسبو اليابان 2025، وسوق مهرجان البحر الأحمر السينمائي، ومهرجان أستراليا للأفلام، ومهرجان سينما المؤلف في الرباط بالمملكة المغربية، بالإضافة إلى جهود ترويجية مستمرة في جمهورية المجر.

وأكد الرزيقي على امتلاك سلطنة عُمان مقومات جغرافية وتراثية استثنائية تؤهلها لتكون وجهة عالمية رائدة في قطاع الإنتاج السينمائي والدرامي، وأن التنوع التضاريسي والحضاري للمحافظات العُمانية يمنح المخرجين بيئة مثالية لصناعة سياق درامي بهُويّة بصريّة قادرة على مخاطبة الجمهور العالمي. حيث تضم سلطنة عُمان تنوعًا جغرافيًّا فريدًا يجمع بين البحر والجبال والصحراء والسهول والقرى التراثية والمدن الحديثة في مسافات متقاربة، مما يتيح تصوير أعمال تاريخيّة ومعاصرة بكفاءة عالية.

ووضح أن انخفاض الكلفة الإنتاجية في سلطنة عُمان مقارنة بالدول الأخرى يشكل عامل جذب رئيسًا لشركات الإنتاج العالمية التي تبحث عن الجودة العالية والتكلفة المناسبة. داعيًا إلى تفعيل مشروعات الإنتاج المشترك بين المخرجين العُمانيين وشركات الإنتاج العربية والعالمية، فهذه الشراكات تفتح آفاقًا واسعة لتبادل الخبرات، وبناء جسور التواصل بين السينما المحلية والدولية، وتمنح الكوادر والمواهب الوطنية فرصًا واعدة للعمل في بيئات احترافية متقدمة، مما ينعكس إيجابًا على جودة الأفلام العُمانية لتنافس بقوة في المهرجانات الدولية.

وأشار إلى أن العادات والتقاليد العُمانية، وقيم الضيافة والترابط الاجتماعي، تمنح الصورة السينمائية عمقًا إنسانيًّا ملفتًا، حيث يمتزج التراث المادي المتمثل في القلاع والبيوت القديمة والأسواق الشعبية، مع التراث غير المادي كالفنون التقليدية والحكايات الشفوية، ليشكل معًا رموزًا بصرية أصيلة توثق الهُوية العُمانية في السينما المعاصرة، وتصنع لغة بصرية تبرز خصوصية المكان بروح وصورة صادقة تفهمها مختلف الثقافات.

وبين رئيس مجلس إدارة الجمعية العمانية للسينما أن السينما تُمثّل المرآة الأصدق لعكس النضج الحضاري والاجتماعي لسلطنة عُمان، وقدرتها على تقديم الهُوية الثقافية والقيم العُمانية الأصيلة بأسلوب إنساني ومشرق يُلهم الجمهور العالمي. حيث عرف المجتمع العُماني منذ القدم بقيمه الراسخة القائمة على السلام، والتواضع، والتعاطي الإنساني الحكيم مع الحياة؛ وهو ما جعل ذكرهم يرتبط بصفات "الشعب الطيب"؛ وهي انعكاسٌ لسلوكات أصيلة وممارسات يومية راسخة تتجسد في العبارة الدارجة "الأمور طيبة"، تعكس في عمقها روحًا إيجابية تبحث عن الحلول وتبث قيم الطمأنينة والتفاؤل.

وضمن السياق ذاته، وضح الرزيقي أن تحويل هذه القيم الوطنية والسلوكية إلى مشاهد سينمائية وحوارات فنية يسهم في إبراز حضارة عُمانية ناضجة تعيش في سلوك الإنسان قبل المعالم والمباني. وأن القصص المبنية على هذه الركائز تحظى بقبول عالمي كونها تنطلق من قيم إنسانية مشتركة تحث على التعاون، والترابط الاجتماعي، وحضور العائلة، وتثمين العلاقات، واحترام وقبول الآخر. ووضح أن الرؤى الفنية أكدت على أن تقديم الشخصية العُمانية بفطرتها المتمثلة في الحكمة، والصبر، والكرم يمنح السينما العُمانية مادة دراميّة ثريّة لصناعة قصص محلية في شكلها، وعالمية في تأثيرها، قادرة على العبور مباشرة إلى قلب المتلقي في مختلف دول العالم.

وأشار الرزيقي إلى أن تحويل قطاع إنتاج الأفلام السينمائية المحلية إلى صناعة حقيقيّة ومُستدامة تعتمد على منهجيات عمل مهنية ومؤسسية، بما يضمن الانتقال التدريجي لصنّاع الأفلام من مرحلة الهِواية إلى الاحتراف. مؤكدًا على أن الوصول بالفيلم العُماني إلى منصات المنافسة في المهرجانات الدولية الكبرى يتطلب التزامًا صارمًا بمعايير الإنتاج الاحترافي المتكامل؛ بدءًا من جودة كتابة السيناريو، مرورًا بإدارة مواقع التصوير والمونتاج، وصولًا إلى آليات التسويق الفعّالة، لكون المنافسة العالمية تعتمد بالدرجة الأولى على الرؤى الإخراجية الدقيقة والأعمال الفنية المكتملة. ومع توفر التدريب والمختبرات، والعمل المؤسسي، والمشاركات الدولية، والمشروعات الإنتاجية الجادة، يصبح الشاب قادرًا على إدراك أن السينما ليست حلمًا بعيدًا بل مسارًا عمليًّا يمكنه من خلاله تقديم عمل يستوفي شروط المنافسة الدولية ويُحسب ضمن الصناعة السينمائية التي تتطور يومًا بعد يوم في عمان.

وأشار أنور الرزيقي رئيس مجلس إدارة الجمعية العُمانية للسينما في ختام حديثة لوكالة الأنباء العُمانية إلى الدور المحوري للسينما كقوة ناعمة قادرة على تقديم صورة حقيقيّة وواقعيّة عن المجتمع العُماني. فالأفلام التي تنطلق من البيئة المحلية تملك القدرة على نقل طبيعة العلاقات الإنسانية المتميزة، وما تجسده من قيم التسامح، والوئام، والتعايش المتوازن بين الأفراد دون مبالغة عبر تجسيد نمط الحياة اليومية وبساطتها في القرى والمدن. وأكد على أن هذا التأثير يصل إلى المشاهد العالمي كصورة مستقرة ومقنعة بعيدًا عن الخطاب المباشر، فالحضور السينمائي العُماني تشكّل تدريجيًّا على مدى الخمس والعشرين عامًا الماضية منذ تأسيس الجمعية وانطلاق مهرجان مسقط السينمائي الدولي.

ووضح المخرج السينمائي العماني أن الإدارات السابقة والجيل المؤسس وضعوا ركائز واضحة عبر تشجيع الإنتاج المحلي والمشاركة المستمرة في المحافل السينمائية الدولية، وهو العمل التراكمي الذي أسهم في وصول الفيلم العُماني إلى مختلف قارات العالم وتعرّف الجمهور الخارجي على سلطنة عُمان عبر الشاشة. مؤكدًا على أن تعزيز الوجود السينمائي في الخارج يسهم بشكل فعال في تقديم سلطنة عُمان باعتبارها وجهة تتمتع بالاستقرار الاجتماعي والثقافي، فالسينما تعد إحدى الأدوات الهادئة والفعالة التي تبسط الجهود الدبلوماسية والثقافية لسرعة وصولها وعمق تأثيرها في المتلقي، مما يضمن لسلطنة عُمان حضورًا بارزًا ومحترمًا في المشهد السينمائي العالمي.