الفعل الثّقافي لسلطنة عُمان.. رحلةُ الانتقال من التّوثيق التّاريخي إلى التّنافسيّة العالميّة

مزاج الاثنين ١٨/مايو/٢٠٢٦ ١٢:١٤ م
الفعل الثّقافي لسلطنة عُمان.. رحلةُ الانتقال من التّوثيق التّاريخي إلى التّنافسيّة العالميّة

الشبيبة - العمانية 


 لم يعد الفعل الثقافي العُماني مجرد استذكار للتراث المادي وغير المادي، إذ تحوّل إلى صناعة فكرية إبداعية تتطلع للمنافسة الدولية. ومن هذا المنطلق، تواصل سلطنة عُمان استثمار شراكاتها مع المؤسسات العالمية، وفي مقدمتها اليونسكو، لترسيخ حضورها كقوة حضارية ذات تأثير نوعي، ما يعكس عمق التجربة العُمانية الممتدة بجذورها في المشهد الثقافي العالمي المعاصر.

وفي هذا السياق يتحدث عددٌ من المختصين عن الرؤية المؤسّسية الرّامية لتحويل التّراث العُماني من إطار التوثيق المحلي إلى منصة للتواصل الحضاري عبر اليونسكو -على سبيل المثال لا الحصر-، والمرتكزات التي جعلت من الملفات العُمانية معيارًا دوليًّا للاحترافية يعكس دقة التنظيم وجودة الأداء الثقافي، وما يمكن العمل عليه من خلال المؤسسات الثقافية لتحويل الفنون والحرف من قوالبها التقليدية إلى منتجات إبداعية تخاطب وجدان الأجيال عالميًّا، وضمان استمرار التراث كفعل إبداعي مستدام يعزز مكانة المثقف العُماني دوليًّا، وما قدّمه أيضا الوجه المشرق للمنجز الثقافي العُماني للعالم بصورة تليق بعراقة عُمان والسّبل الكفيلة بترسيخ هذا الوعي الجمالي ليكون حافزًا في نشر ثقافة الابتكار المستمد من أصالة التراث المادي وغير المادي، إضافة إلى المنهجية العلمية التي اتبعتها سلطنة عُمان لتحويل عناصر التراث من مجرد شواهد تاريخيّة إلى صناعة حيويّة، وما يمكن أن تقدمه البحوث من أجل حماية الأصالة والدراسات الثقافية العُمانية من مخاطر الاستنساخ في ظل الانفتاح الثقافي العالمي.

في البداية قالت سعادةُ السّفيرة آمنة بنت سالم البلوشي، المندوبةُ الدّائمة لسلطنة عُمان لدى اليونسكو إن الحضور العُماني في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) شكل نموذجًا ملفتًا في توظيف الرؤية المؤسسية لتحويل التراث من نطاق محلي إلى منصة عالمية للحوار الحضاري. واعتمدت سلطنةُ عُمان نهجًا استراتيجيًّا قائمًا على التكامل بين المؤسسات الثقافية والبحث العلمي والدبلوماسية الثقافية، ما أتاح تقديم ملفات تراثية لا تكتفي بالسرد التاريخي، بل تُبرز القيم الإنسانية المشتركة الكامنة في هذا التراث. ويتجلى ذلك في تسجيل مواقع مثل قلعة بهلا ومواقع أرض اللبان ضمن قائمة التراث العالمي، بوصفها شواهد على عمق التفاعل الحضاري لعُمان عبر التاريخ.

وأضافت أن هذا التحول جاء نتيجة تنظيم مؤسّسي دقيق قائم على وضوح الأدوار وتنسيق الجهود واعتماد منهجيّات علميّة صارمة في التوثيق والتحقيق. كما لعب الاستثمار في الكفاءات الوطنية دورًا محوريًّا في إعداد فرق متخصّصة قادرة على صياغة ملفات تستوفي المعايير الدولية من حيث الدّقة والشّمول والبعد الإنساني. وقد برز ذلك في ملف الأفلاج العُمانية، الذي قُدم باعتباره نموذجًا حضاريًّا للإدارة المستدامة للمياه.

وأكد في سياق حديثها على أن سلطنة عُمان أولت اهتمامًا بإشراك الشباب في مشروعات التراث والثقافة عبر التدريب والتوثيق الرقمي والبرامج التعليمية، انطلاقًا من قناعة بأن استدامة التراث ترتبط بقدرة الأجيال الجديدة على فهمه وتطوير حضوره المعاصر، موضحة أنه على مستوى التأثير العالمي، نجحت سلطنة عُمان في تقديم تراثها كونه جسرًا للتواصل بين الثقافات من خلال التركيز على قيم التسامح والتعايش والتبادل الحضاري، بما ينسجم مع رسالة اليونسكو.

وأشارت إلى أن هذا الحضور تعزز عبر تسجيل عناصر من التراث غير المادي مثل فن العازي و المهارات الحرفية والممارسات الاجتماعية المرتبطة بالخنجر، وتُوّج أخيرا باعتماد منظمة اليونسكو جائزة اليونسكو-السُّلطان هيثم لصون التراث الثقافي غير المادي، التي تعكس التزام سلطنة عُمان بدعم الجهود الدوليّة لحماية وصون التراث الثقافي غير المادي وتعزيز دوره في ترسيخ الهُوية والحوار بين الثقافات. وفي المحصلة، يبرز النموذج العُماني دليلًا على أن الإدارة المؤسّسية الفاعلة، حين تقترن برؤية ثقافية وشاملة، قادرة على تحويل التراث إلى أداة للتفاهم الإنساني وبناء الجسور بين الشعوب والأجيال.

أما الأستاذ الدكتور محمد بن علي البلوشي رئيس مجلس إدارة النادي الثقافي فقد أكد على أن الانتقال بالفعل الثقافي من صبغته الصميمية كمستودعٍ للذاكرة إلى طاقةٍ منتجةٍ للمعنى والقيمة، ينبع من جوهر الثقافة الذي ينطوي على إمكانية تحويله إلى أفقٍ مفتوحٍ على إمكانات الابتكار والتجديد. والفنون والحرف العُمانية، بما تختزنه من تراكمات تاريخيّة ورمزيّة، ليست كيانات ساكنة، بل هي أنظمة دلاليّة حيّة قابلة لإعادة التأويل وإعادة التشكيل ضمن سياقات معاصرة. ومن هنا، فإن تحويلها إلى منتجات إبداعيّة متجدّدة لا يتحقّق عبر القطيعة مع الأصل، بل عبر حوارٍ خلاق معه؛ حوار يعيد اكتشاف الوظائف الجمالية والمعرفية لهذه الفنون، ويمنحها لغةً جديدة تخاطب وجدان الأجيال الشابة عالميًّا.

ووضح أنّ المؤسّسات الثقافية مطالبة اليوم بأن تتجاوز دورها التقليدي في الحفظ والعرض، لتصبح منصات إنتاج معرفي وإبداعي، تُفعِّل أدوات التصميم، والتقنيات الرقمية، والسرديات البصرية، وتربط الحرف التقليدية باقتصادات الإبداع المعاصر. فالحرفة حين تُدمج في منظومات التصميم الحديث، أو تُروى قصتها عبر وسائط رقمية تفاعلية، أو تُستثمر في صناعات ثقافية كالأزياء، والأفلام، والألعاب، فإنها تستعيد حيويتها، وتتحول من موروث إلى مشروع.

وأضاف أن سلطنة عُمان تبرز في كونها نموذجًا مُتوازنًا في إدارة هذا التحول؛ إذ لم تنظر إلى التراث باعتباره عبئًا على الحداثة، بل قوة دافعة لها. وقد أسهم حضورها الفاعل في المحافل الدولية، وعلى رأسها منظمة اليونسكو، في ترسيخ هذا الفهم، حيث استطاعت أن توظّف هذه المنصّات لا فقط لتسجيل عناصر تراثها، بل لتقديم رؤية حضاريّة مُتكاملة حول العلاقة بين الثقافة والتنمية.

وأشار أيضا إلى أن جائزة اليونسكو - السُّلطان هيثم لصون التراث الثقافي غير المادي – التي أعلن عنها أخيرا - تأتي تجسيدًا رفيعًا لهذه الرؤية؛ فهي لا تكتفي بتكريم المبادرات، بل تؤسس لوعي عالمي جديد يعتبر التراث غير المادي موردًا استراتيجيًّا للتنمية المستدامة. وعلى الصعيد العُماني، يؤمل أن تسهم هذه الجائزة في تحفيز المؤسسات والأفراد على الابتكار في صون التراث، وتحويله إلى فعل إبداعي متجدد، يتجاوز حدود التوثيق إلى آفاق الإنتاج والتأثير.

وأضاف أيضا أنه على مستوى الممارسة المؤسّسية، فإن النادي الثقافي يضطلع بدور محوري في هذا التحول، انطلاقًا من إيمانه بأن الثقافة لا تُصان إلا إذا أُعيد إنتاجها. ومن هذا المنطلق، يعمل النادي باستمرار على تنظيم حلقات عمل تكوينية إبداعية موجهة للشباب، تهدف إلى تمكينهم من إعادة قراءة الفنون والحرف التقليدية، وتحويلها إلى منتجات معاصرة قادرة على المنافسة، دون أن تفقد روحها أو هويتها.

وفي هذا العام، أطلق النادي "جائزة صيرورة للصناعات الإبداعية"، وهي مبادرة نوعية تسعى إلى نقل الأفكار من حيز التأمل إلى فضاء الإنجاز، عبر دعم المبدعين في تطوير مشروعاتهم وتحويلها إلى منتجات قابلة للتداول. فالصيرورة هنا ليست مجرد عنوان، بل فلسفة عمل تقوم على اعتبار الإبداع عملية مستمرة من التحول والتجدد، لا تتوقف عند حدٍّ معين.

وبين أنه ومع هذا الانفتاح على آفاق الابتكار، يدرك النادي الثقافي تمامًا حساسية التوازن بين الإبداع والأصالة؛ إذ إنّ الخطر الأكبر لا يكمن في الجمود، بل في التسليع الذي يفقد التراث عمقه ومعناه. وأكد على أن تكون كل مبادرة إبداعية منطلقة من فهم عميق للأصول الثقافية، وأن تُبنى على احترام السياقات التاريخية والرمزية، بحيث يظل التراث مصدر إلهام، لا مجرد مادة استهلاكية.

وقال البلوشي إن استدامة التراث غير المادي كفعل إبداعي لا تتحقق إلا إذا أصبح جزءًا من وعي الأجيال الجديدة. وهذا يتطلب تعزيز الابتكار لدى الشباب في مختلف المجالات، الفنية والأدبية والفكرية، وتزويدهم بالأدوات التي تمكّنهم من التعبير عن ذواتهم من خلال هذا التراث، لا بمعزل عنه.

وفي المحصلة، فإن المثقف العُماني، حين ينخرط في هذا الفضاء الإبداعي المتجدّد، لا يمثل ذاته فقط، بل يحمل معه سردية وطن بأكمله؛ سردية قادرة على أن تخاطب العالم بلغة إنسانية مشتركة، دون أن تفقد خصوصيتها. إن القوة الحقيقيّة تكمن في أن نكون عالميين من داخل محليتنا، ومبدعين من داخل ذاكرتنا.

من جانبه قال الباحث في التاريخ الدكتور سليمّ بن محمد الهنائي إن قراءة المساهمة العمانية في إبراز المنجز الثقافي عبر منصة اليونسكو تنطلق من إدراك أنّ سلطنة عُمان لم تتعامل مع المنظمة الدولية في كونها مجرد جهة توثيق وتسجيل، بل بوصفها فضاءً حضاريًّا تُترجَم فيه الهُويّة الوطنيّة إلى خطاب إنساني مُتجاوزًا الحدود. فالمواقع العُمانية المسجّلة في قائمة التراث العالمي، من قلعة بُهلا إلى مواقع أرض اللبان، ومن أفلاج عُمان إلى مدافن بات والخطم والعين، ليست شواهد جامدة على فترة غابرة، بل هي رسائل فكرية حيّة تُقدّم النموذج العُماني في التعايش مع البيئة، وفي إدارة الموارد، وفي صياغة عمران متناغم مع طبيعة الأرض وذاكرة الإنسان. وبهذا المعنى يصبح كل موقع مسجّل بمثابة سفير صامت يحمل في تفاصيله المعمارية والاجتماعية فلسفة عُمانية شاملة في فهم العلاقة بين الإنسان والبيئة.

وأضاف أنه لعلّ ما يميّز الحضور العُماني في اليونسكو أنه يتخطى التراث المادي إلى التراث غير المادي بالقدر ذاته من العناية؛ إذ شكّل تسجيل فنون كالعازي والبرعة والتغرود والخنجر العمانية امتدادًا لرؤية شاملة ترى في الموروث الشفهي والممارسات الاجتماعية أساسًا لا تقلّ أهمية عن الحجر والعمارة. وهنا تحديدًا تبرز قيمة الرسالة الفكرية والثقافية: فهي لا تكتفي بالعرض، بل تُعيد إنتاج المعنى بلغة معاصرة تخاطب الأجيال الجديدة، وتفتح أمام الباحث الأجنبي نافذة على عُمق التجربة العمانية بعيدًا عن الصور النمطية المختزَلة، فيغدو التراث خطابًا معرفيًّا قابلًا للحوار مع الثقافات الأخرى لا مجرد عرض فلكلوري مؤقت.

وقال إن السبل الكفيلة بترسيخ هذا الوعي الجمالي ليكون حافزًا للابتكار، فتبدأ من إدماج التراث في مناهج التعليم بصورة تُحرّر الطالب من النظرة المتحفية، وتدفعه إلى التفكير في التراث كونه مادة خامًا للإبداع المعاصر في التصميم والعمارة والأدب والسينما والصناعات الرقمية. ويُكمّل ذلك دعم الشراكات بين المؤسسات الثقافية الرسمية والقطاع الخاص ورواد الأعمال الشباب، بحيث تتحول الحرف التقليدية كصناعة الفضة والنسيج وصناعة اللبان إلى منتجات إبداعية قادرة على المنافسة في الأسواق العالمية، تحمل قصة عُمان وروحها وتُترجم تميزها إلى لغة جمالية يفهمها المستهلك الدولي حول العالم.

وأكد على أن هذا المشهد لا يكتمل دون تقوية الحضور البحثي العُماني في المؤتمرات الدّولية والدّوريات المحكّمة المتخصّصة في دراسات التراث، وإنشاء منصّات رقميّة ثنائية اللّغة توثّق المنجز الثقافي وتُقدّمه للعالم بمعايير اليونسكو ذاتها، إلى جانب إعداد كوادر وطنية متخصصة في إدارة التراث العالمي قادرة على خوض غمار التفاوض الدولي بثقة. فحين يلتقي الوعي الجمالي بالإرادة المؤسسية وبطاقة الشباب الإبداعية، يتحول التراث من ذاكرة محفوظة إلى مستقبل مصنوع، وتغدو عُمان نموذجًا في تحويل الأصالة إلى رافعة للابتكار، وفي تقديم الثقافة بوصفها قوة ناعمة تُعرّف بالوطن وتُسهم في إثراء الحضارة الإنسانية.

وفي السياق ذاته قالت الدّكتورة فاطمة العامري عميدة كلية الصناعات الإبداعية بجامعة التقنية والعلوم التطبيقية بنزوى إنّ تحويل الفعل الثقافي العُماني من مجرد "تراث مادي ومعنوي" إلى "صناعة إبداعية" ذات تنافسية دولية يتطلب قراءة عميقة في كيفية استثمار المؤسسات الدولية، وعلى رأسها اليونسكو، كمنصة للحضور الفكري والثقافي الحضاري.

ووضحت أن التراث الثقافي في سلطنة عُمان يُنظر إليه اليوم بطريقة أوسع، من مجرد كونه موروثًا محفوظًا من الماضي إلى جزء من مشروع وطني يربط بين الهُوية والابتكار والتنمية. ومن هنا، فإن الحديث عن المنهجية والتحوّل النوعي يرتبط بفهم الطريقة التي تعاملت بها سلطنة عُمان مع التراث الثقافي بوصفه موردًا يمكن أن يُسهم في بناء الصناعات الثقافية والإبداعية.

وأشارت إلى أن سلطنة عُمان اعتمدت في تحولها نحو الصناعات الثقافية والإبداعية على منهجية قائمة على الرصد والتحليل الواقعي، تلاها التخطيط وتنفيذ المبادرات الملائمة. يتضح ذلك في مشروع خارطة الصناعات الثقافية والإبداعية الذي أطلقته وزارة الثقافة والرياضة والشباب، حيث استند إلى الدراسات المتخصصة، والاستفادة من التجارب الدولية، والتشاور مع الخبراء لتحديد التحديات والفرص ووضع أولويات تطوير القطاع، تلاه برنامج "القيادة في الصناعات الثقافية والإبداعية"؛ من أجل تعزيز قدرات الكفاءات الوطنية.

وأشارت إلى أن سلطنة عُمان قد حرصت على أن يقوم هذا التحول على أساس متين من الصون والتوثيق العلمي للتراث الثقافي، بشقيه المادي وغير المادي؛ فقد عملت الجهات المختصة على حصر العناصر التراثية وجمعها ميدانيًّا وتصنيفها وتوثيقها، مع الاستفادة من الأطر التي وفرتها منظمة اليونسكو في تسجيل بعض عناصر التراث الثقافي وإبراز قيمتها على المستوى الدولي؛ وبالتالي أصبح وسيلة لتعريف العالم بالتراث العُماني بوصفه تراثًا حيًّا يمكن أن يسهم في التنمية الثقافية ويعزز الحضور الحضاري لسلطنة عُمان.

وأكدت على أن التوثيق والرقمنة والبحث العلمي قد أدت دورًا مهمًّا في هذا التحوّل، وفي هذا الجانب تقوم هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية بدورٍ أساسي في حفظ الذاكرة الوطنية، وإتاحة المصادر، وبناء قاعدة معرفية تساعد الباحثين والمهتمين في تقديم دراسات أكثر دقّة وعُمقًا. فنجاح أي صناعة إبداعية مرتبطة بالتراث الثقافي يحتاج إلى معلومات موثوقة ومرجعيات واضحة، حتى لا يتحول توظيف التراث إلى تكرار سطحي أو إلى تقديم صور غير دقيقة عن الهُويّة الثقافية. ولهذا أصبحت الرقمنة جزءًا مهمًّا من جهود الحفظ والتطوير في الوقت نفسه.

وفي شأن السّياسات العامة قالت إن سلطنة عُمان اتجهت إلى ربط الثقافة بالتعليم والاقتصاد والاستثمار، بحيث لا يبقى التراث في إطار الحفظ والصون فقط، بل يدخل في مسارات التنمية؛ فالمبادرات الحكومية في هذا المجال اهتمت بتطوير القطاع الثقافي، وتشجيع الاستثمار في الصناعات الثقافية والإبداعية، وبناء شراكات مع الجهات المختلفة، بما يساعد على تحويل المهارات والممارسات التراثية إلى منتجات وخدمات ذات قيمة. وهذه المقاربة تؤكد على أن حماية التراث لا تتعارض مع استثماره، إذا تم ذلك بطريقة تراعي الأصالة وتحفظ المرجعية الوطنية، وهذا ما ركزت على الاستراتيجية الثقافية لوزارة الثقافة والرياضة والشباب، والخطة الخمسية الحادية عشرة (٢٠٢٦ -٢٠٣٠م) وهي المرحلة التنفيذية الثانية لرؤية "عُمان ٢٠٤٠".

وقالت أيضا إنه من موقعي عميدةً لكلية الصناعات الإبداعية في جامعة التقنية والعلوم التطبيقية، أرى أن مؤسسات التعليم العالي تؤدي دورًا مهمًّا في تحويل هذا التوجّه الوطني إلى عمل مستدام ومؤثر في الوقت نفسه. فدور الكلية لا يقتصر على تقديم برامج أكاديمية في مجالات التصميم والإعلام والاتصال وغيرها من التخصصات الإبداعية، بل يشمل أيضًا إعداد طلبة قادرين على فهم التراث الثقافي بوصفه مصدرًا للمعرفة والإنتاج والتطوير. ولذلك نحرص على تطوير المناهج بما يدعم التفكير النقدي والابتكار وربط التعلم باحتياجات السوق، مع الحفاظ على ارتباط الطلبة بهُويّتهم الثقافية ومسؤوليتهم تجاهها، وهذا ما يطلق عليه الاقتصاد البنفسجي.

وأضافت أن الصناعات الإبداعية تحتاج إلى بيئة داعمة تقوم على البحث والتجريب والشراكة. لذلك نعمل على مواءمة البرامج الأكاديمية مع احتياجات سوق العمل والاقتصاد الإبداعي، ونشجع الطلبة على الاستفادة من الموروث الثقافي العُماني في مشروعاتهم ضمن أسس علمية تحترم المعنى والسياق والأمانة الثقافية. كما نهتم بتعزيز المبادرات البحثية والبرامج النوعية التي تدعم ريادة الأعمال الإبداعية، وتربط الجانب النظري بالتطبيقي، وتسهم في إعداد كفاءات وطنية قادرة على المنافسة محليًا ودوليًا.

أما في جانب البحوث، فالحاجة اليوم لم تعد مقتصرة على دراسات عامة عن التراث الثقافي، بل أصبحت تتطلب بحوثًا أعمق وأكثر تخصّصًا تربط بين الثقافة والتصميم، والاقتصاد والتقنية والقانون. فحماية الأصالة لا تتحقق فقط بجمع المعلومات أو وصف العناصر التراثية، وإنما أيضًا بفهم كيفية إعادة تقديمها في المنتجات والخدمات المعاصرة، وما إذا كان هذا التقديم يحافظ على معناها الحقيقي أم يختزلها في صورة تجارية سطحية. ومن هنا تبرز أهمية الدراسات النقدية والتطبيقية التي تضع معايير واضحة لتقييم أصالة المنتج الثقافي، وتتابع ما يحدث للعناصر التراثية عندما تنتقل من المجال المجتمعي إلى السوق أو إلى المنصات الرقمية.

ووضحت إنه يمكن للبحوث في هذا المجال أن تتجه إلى أمثلة عملية واضحة من البيئة العُمانية؛ مثل دراسة الكيفية التي يُعاد بها توظيف الخنجر العُماني، أو النقوش والزخارف التقليدية أو الأزياء والحُلي أو مفردات العمارة العُمانية في التصميم الجرافيكي، وتصميم المنتجات، والموضة، والمحتوى الرقمي.

فالسؤال هنا لا يتعلق فقط بجمال الشكل، بل بمدى صحة المرجعية الثقافية، ودقة التوثيق، واحترام الرمزية الاجتماعية والتاريخية لكل عنصر. كما يمكن أن تتناول الدراسات أثر الاستخدام التجاري لبعض العناصر التراثية في تغيير معناها الأصلي، أو في فصلها عن سياقها المحلي، أو في تقديمها بصورة نمطية لا تعكس تنوع التجربة العُمانية وعمقها.

وفي السياق ذاته أشارت العامرية إلى أن الملكية الفكرية تبرز في كونها جانبًا لا يقل أهمية عن التوثيق والبحث. فحين يتحول التراث الثقافي إلى منتج إبداعي أو مشروع ثقافي أو محتوى رقمي، يصبح من الضروري التفكير في وسائل الحماية القانونية المناسبة، سواء من خلال حقوق المؤلف والحقوق المجاورة، أو العلامات التجارية، أو التصاميم الصناعية، أو المؤشرات الجغرافية بحسب طبيعة المنتج.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في سلطنة عُمان في ظل وجود إطار قانوني منظم لحماية الملكية الفكرية، وهو ما يعزز حماية المبدعين والمؤسسات ويحدّ من الاستغلال غير المشروع أو النسخ غير المنضبط للمخرجات المستلهمة من التراث. كما أن بعض التشريعات العُمانية أولت عناية خاصة بمصنفات التراث الشعبيّ، وهو أمر مهمٌّ عند الحديث عن حماية التعبيرات الثقافية التقليدية من التشويه أو التحوير أو الاستغلال التجاري غير الملائم.