
بقلم : محمد بن علي البلوشي
شغلت صورة نشرت في وسائل التواصل الرأي العام بأكمله تخيلنا فيها أن البلاد قد فرغت من كل القضايا ذات الأولوية ليتوقف الناس عند قضية صغيرة وهو أمر متوقع فبضغطة زر انشر رأيك وأدلوا بدلوك مع الاخرين فيزداد الضجيج وتتسارع الحجج ويستعد الاخرين لتأليف القصص والحكايات في سبيل الدفاع عن مايريدون تحقيقه..فكان الكل يترقب إلى أين ستمضي نهايات هذه الأحداث وننتهي من نتائجها.. دعا البعض إلى مظاهرات وتجمعات في سبيل تحقيق غايات مبطنة..وهنا كل شي باسم المعتقد والحلال والحرام الذي يحرك العامة..صغيرهم وكبيرهم..جاهلهم ومثقفهم والمتأرجح في أهوائه حسب ميلان التيارات والمصلحة والورع أمام الناس فيخوض مع العامة.أستباح جدل الخمر تفكير الناس فانساق إليه الجميع مطالبين بحظره ومنعه وساقوا في ذلك من الأدلة والبراهين ماينفع معها تأليف المعلقات.. وهناك من رأى الأمر لايستحق كل هذه الضجيج فالخمر وجدت منذ فجر التاريخ ولن تنتهي..والخمر ليست تحديا للفضيلة..والمثالية المفرطة أو محاولة بناء مدينة فاضلة هذه صورة طوباوية للغارقين في الأحلام كالذين يرون بعودة دولة الخلافة كداعش وأخواتها رة حفاظا على الدين وتارة حفاظا على المجتمع وأخرى بأسم الوطن وأخرون بكل شيء فكان إلا الخمر..التقدمي والطليعي والمثقف والفنان والأكاديمي والمراوغ والمداهن والخائض مع الخائضين يتصدرون مع العامة في جدل الخمر ومنعها من البلاد لدرء المحن والمصائب والنجاة من العذاب..وكل يحمل معه تفسيره الجاهز.
لست هناك بالتحدث عن أمور دينية فهي ليست كما يقولون من أختصاصي وعلم التراث والموروث الديني له أناس يبحرون فيه وعلم الكلام لاينتهي لكنني سأتوقف عند ماذا يريد الناس وماهي الاولوية: المجتمع يعيش في أمن وسلام وهدوء ويبحث عن الأستقرار ومواجهة تحديات الحياة المتغيرة والمتحركة..توفير فرص العمل للناس أهم اولوية من الإلتفات لوجود قنينة خمر أو من يشربها..وتنمية البلاد وجلب الإستثمارات وبناء إقتصاد قوي أهم تحدي تسعى الدولة لتحقيقه ولن تهدمه قنينة خمر وبدلا من الإلتفات إلى بيع الكحول المرخصة ولمن تنطبق عليهم شروط شرائه ينبغي أن ننظر في ماذا يحمله المستقبل وكيف نواجهه ..وليست الدولة كما يرى في وارد إغراق البلاد بالخمور كما يروج البعض لتخريب أبنائها.. هذه أكاذيب يراد بها الفتن لتمرير مافي الأنفس من أهواء ضيقة لن تتحق في عمان فماأنجز في البلاد من تشريعات وقوانين ثمرة "قتال" تنموي لم يتوقف.الاولويات كثيرة ومتعددة.
أقول أن الدولة للجميع..الكل يستظل بظلها وليست حصرا لأفراد وليست حصرا على أفكارا واحدة..مفهوم الوطن يشمل الجميع فلايمكن أن يضيق الوطن بمجموعة وينفتح على مجموعة..ينبغي أن نتجاوز الوصاية على خيارات الناس..الدولة تقوم بواجباتها للكل دون تمييز..من رعاية الأفراد وشؤون حياتهم وعباداتهم.. تبني دور العبادة للمجتمع وتوفير كل الخدمات لها ليتمكن الجميع من ممارسة شعائرهم الدينية بكل حرية ويسر دون تضييق أو تقييد..وفي المقابل ليس من مسؤولية الدولة إجبار الجميع على الذهاب لدور العبادة فالامر يعود للفرد فهي حالة وجدانية للبشر يقررون فيها خياراتهم ويتحملون ثمن خياراتهم ..وليس من مسؤولية الدولة نشر حراس الفضيلة في الطرق ليراقبون الناس أو أسرهم أو ماذا ترتدي نساؤهم..بل القوانين هي التي تنظم ذلك..الدولة الوسطية هي التي تسن وتشرع القوانين لتنظيم حياة من تشملهم مسؤوليتها..أما التداعيات التي تحدثها الكحول فالقوانين شرعت لضبط هذه الجوانب في حياة البشر..من يشرب فهو مسؤول عن نتائج شربه ومن لايصلي مسؤول أمام ربه عن سلوكه والعواقب..لسنا بمن يمنح صكوك الجنة والنار فهناك عدل إلهي ينتظره الجميع.من حق الناس السؤال عن حقوقهم الأساسية وجوانب معيشتهم التي كفلها النظام الأساسي للدولة ..حقهم في العيش الكريم وحق حماية الحياة الخاصة وحماية مالهم وحقهم في تربية أبنائهم بالطريقة التي يرونها مناسبة دون الإخلال بالمجتمع وجوانب أخرى يعيشها الناس في طمآنينة..هذا هو ماينبغي أن نشعر به وندافع عنه..وفي الجوانب الأخرى التي لاتهم الناس ولاتدخل في شؤون حياتهم الخاصة فإن ذلك تتكفل به الدولة وقوانينها وهي المسؤولة عنه.لنتأكد أننا نمشي في طريق صحيح في شؤون حياتنا اليومية بالعمل والعلم والأنضباط السلوكي والقيمي.. والمحافظة عليها..شارب الخمر تحاسبه قوانين الدولة لا الأفراد.. سواء في الطريق أو حينما تتضرر أسرته من ذلك ووجد القضاء لينظم هذه الجوانب.
استغرب العديدون تحول الأمر من مجرد إبداء الرأي إلى محاولة فرض مطالب بالقوة ..وتشكيل بديل عن قوانين الدولة وضوابطها وهو أمر لم نعرفه طيلة السنوات التي شهدتها النهضة العمانية التي أتجهت إلى بناء الإنسان علما وتنمية معيشية..تحريض الناس وإثارتهم بإستغلال قصة صغيرة عن الخمر لتحقيق غايات ومآرب خفية تهدم التعايش المشترك في المجتمع المتنوع بمعتقداته وهي معتقدات مصانة من الدولة..عمان دولة مدنية وليست دولة دينية.وهي شاملة وجامعة للكل برؤيتها الشمولية للأشياء وليست الرؤية من من زاوية أحادية وضيقة..ولايمكن بعد هذه السنون إعادة إغلاق البلاد بعبارات ضيقة.الرأي وحرية التعبير مصان لكنك حينما تحاول أن تمرر مطالب الدولة مسؤولة عنها بقوانينها فهنا تتوقف حرية تعبيرك..الدولة ترعى الجميع وتسن القوانين على الجميع..