استقدام معلمين من الخارج قرار غير موفق

مقالات رأي و تحليلات الأحد ١٥/أغسطس/٢٠٢١ ٠٨:٤٠ ص
استقدام معلمين من الخارج قرار غير موفق

بقلم:علي المطاعني

على الرغم من إنتظار الآلاف من الباحثين عن عمل من خريجي الجامعات والكليات في السلطنة وخارجها في التخصصات التعليمية والتربوية لسنوات ليست بالقصيرة ، إلا أن وزارة التربية والتعليم لم تلتفت لهم بل هرولت للإعلان عن طلب معلمين ومعلمات من خارج السلطنة ، في واحدة من الممارسات غير الموفقة التي ترتكب سنويا في هذا الجانب ومن قبل جهة حكومية تستحوذ على أكبر ميزانية في الدولة ، وفي مفارقات غريبة لم تدرك الوزارة خطورتها في تأليب الرأي العام في هذا الظرف الإستثنائي، وفي جانب بالغ الحساسية ألا وهو ملف الباحثين عن عمل وهو ما يتناقض جملة وتفصيلا مع التوجهات الحكومية والجهود التي تبذلها وزارة العمل على أكثر من صعيد لتوظيف الباحثين عن عمل ومن بينهم المعلمين والمعلمات ،الأمر الذي يبعث على الدهشة والإستغراب من هكذا تصرفات غير مسؤولة ترمي بعرض الحائط بالتوجهات الحكومية وتنسف كل الجهود المبذولة ، مما يتطلب معه فتح تحقيق موسع للوقوف على خلفية وملابسات القرار الذي وضع الحكومة في موقف لا تحسد عليه.

فالوزارة كان عليها ان توضح في الإعلان الذي أصدرته في هذا الشأن بأن طلب المعلمين والمعلمات من الخارج يأت وفق نظام الإعارة المتفق عليه مع بعض الدول العربية وليس كما بررت بأنها لم تجد كوادر وطنية لشغل تلك الوظائف.

فالإعلان وبصيغته المعلنة يتناقض مع توجهات الدولة بتمكين الكوادر الوطنية في الجهات الحكومية ومن بينها وزارة التربية والتعليم في إطار الجهود المبذولة لإحلال الكوادر التعليمية ، ووفق البيانات المتوفرة بفرص العمل في الحكومة والموجودة بوزارة التربية والتعليم ووزارة الصحة مما يتطلب أن تكون لهما خططهما الواضحة للإحلال ، وليس إستقدام معلمين من الخارج،بل تأهيل من يحتاج إلى تدريب أو جرعات على اعتبار بأن هولاء مواطنين متخصصين في المجالات التربوية ليس ثمة مجال يعملوا به غير سلط التدريس بشكل عام، فضلا عن اغلبهم مخرجات جامعات وكليات في السلطنة تدار من جهات حكومية يجل أن ترتقي بمخرجاتها.

فاليوم كيف يتسنى لوزارة العمل أن تقنع المدارس الخاصة بحتمية تعمين المهن التربوية والتعليمية لديها في حين أن وزارة التربية والتعليم تجدف عكس هذا التيار، أليس في هكذا تصرف تناقض وأزدواجية في المعايير بين القطاعين العام والخاص ويمس حتى النخاع كل الجهود المبذولة في الإحلال ويشل جهود وزارة العمل في إقناع القطاع الخاص بما لا تلتزم به وزارة التربية والتعليم !..

فهذه الممارسات أستفزت المجتمع بكل أطيافه لها انعكاسات خطيرة على العديد من الأصعدة والمستويات لا تدركها الوزارة للأسف كأنها في برج عاجي مما يحدث في الواقع ، فالوزارة ضمن الجهات المعنية التي يجب عليها أن تعمل على إستيعاب الرأي العام وتفهم ضرورات المرحلة القاسية الراهنة وكيفية التعاطي معها ، وعدم إثارته بين حين وآخر، وبقدر يسهم في إيجاد رفضا شعبيا لتوجهات الحكومة وعدم التجاوب معها بإعتبارها غير جادة في ما تقوله لمواطنيها رغم أن العكس هو الصحيح.

على الجانب الآخر ان الإعلان والإفصاح عن تخصصات غير موجودة بالبلاد وفق بيان الوزارة يعكس أو يؤكد الإفتقار للتخطيط للإحتياجات التعليمية من الكوادر الوطنية والإعداد لها بالتنسيق مع الجهات المختصة ، فالوزارة يفترض أن تكون لديها خطة واضحة بإحتياجاتها من المعلمين والمعلمات لسنوات مقبلة لا تقل عن خمس ، وأن تضع في الحسبان كيفية تغطيتها من الكوادر الوطنية وتأهيل من يتطلب تأهيله كجزء من مسؤولياتها والتزاماتها التعليمية والتربوية والتنسيق مع الجامعات والكليات حول متطلباتها من الكوادر في المواد الدراسية المختلفة ،بحيث يتم زيادة قبول كليات التربية المختلفة من الخريجين بالدبلوم العام بما يسد النقص في معلمي المواد التدريسية النادرة في وزارة التربية والتعليم وفق متطلبات واحتياجات المدارس.

أن إستقدام معلمين من الخارج قرار له تبعات وتكاليف باهظة تتكبدها تتكبدها الدولة ممثلة بالوزارة في هذا الظرف، بدءا من التذاكر إلى الرواتب ومرورا بالسكن والمياه والكهرباء والأثاث والتأمين الصحي ألخ في أن كوادرنا الوطنية اقل من ذلك بكثير، واي رواتب تدور في فلك الاقتصاد وتحرك الأسواق وتحل في حل جوانب اجتماعية لها انعكاساتها اذا تدنت.

ما يحز في النفس أنه وبعد مرور 50 عاما منذ إنطلاق قطار التعليم لايعقل أن نزعم بأن هناك تخصصات لا توجد بالبلاد ، ولو سلمنا جدلا بذلك بعد الإقرار بثبوت واقعة عدم التخطيط المسبق فكان يتعين على الوزارة الإستعانة بالمتقاعدين العُمانيين بشكل مؤقت خاصة وأن هناك إعدادا كبيرة منهم وفي جميع التخصصات ينتظرون هكذا سوانح ، غير أن الوزارة لم تقم بإستدعائهم لتلبية نداء الوطن في ساعة العسرة بل ركضت إلى ذلك المرفوض والممقوت ، مع اليقين التام بأن المتقاعدين مؤهلاتهم وقدراتهم أفضل من أولئك الذين عزمت الوزارة على إستقدامهم كما أنهم الأقدر على فهم نفسيات ومتطلبات الطلبة والطالبات ، وفي المقابل فإن المستقدمين لايملكون تلك الإمتيازات ولا يعرفون عادات وتقاليد المجتمع إلا بعد مرور سنوات طوال .

وكما أشرنا أعلاه كان على الوزارة أن تعترف بأنها تتخذ هذا الإجراء سنويا ضمن ما يعرف بنظام الإعارة كجزء من الإتفاقيات الثقافية والإلتزامات بين الدول بالإستعانة بالمعلمين والمعلمات وسيكون في العام القادم وغيره من الأعوام ، فكان على الوزارة أن توضح هذه الجزئية في بيانها إن وجدت بالفعل إتفاقيات بهذا النحو بدلا من التبريرات غير الدقيقة التي ساقتها.

نأمل من وزارة التربية والتعليم وغيرها من الجهات الحكومية أن تكون قدوة للآخرين واقصد القطاع الخاص ولا تستقدم موظفين إلا في المجالات النادرة وخبرات غير متوفرة و بعد مراحل من البحث والتقصي حول عدم وجودها في الوطن ،وليس في مجالات متوفرة أو يمكن توفيرها بسهولة.