
بقلم:سمعان كرم
ما أن ابتدأت جوخة الفارسية بحديثها في مجلس الخنجي حتى عَبقتْ الأجواء بحرارة الإيمان والمحبة والشغف بالخير والقيم والروح المتفانية في الخدمة. هي الممرضة في مستشفى خولة التي لاحظت قلة الاهتمام بالمسنين من أهلهم وأقربائهم حتى أن بعضهم يعكف ذووهم عن المجيء إلى المستشفى لنقلهم إلى بيوتهم أن وجدت أو حتى أن يزوروهم. هؤلاء المسنين شاهدتهم جوخة يعيشون الوحدة والعزلة بعيدين أو مبعدين عن الذين سخّروا حياتهم لإعالتهم وتربيتهم من بنات وأبناء. قررت جوخة أن تقوم بمبادرةٍ لتصحيح هذا الوضع، ليس فقط عن طريق توفير حاجياتهم المادية بل ايضاً، وهذا الأهم، عن طريق تصحيح العلاقة بينهم وبين أولادهم لإعادة البهجة والفرح وكي تحلّ نعمة الله عليهم جميعاً. انطلقت بفكرتها المبنية على تحفيز الأسرة كي تعتني هي بأهلها المسنين مع عشرة متطوعين شكلّوا فريق عمان لرعاية الوالدين لإعطاء النصائح والإرشادات عن طريق الاتصال المباشر أو الهاتف وسرعان ما لاحظوا أن هذه الوسيلة، رغم فائدتها لاتكفي. استأجروا ملحقاً لبيت أيتام، مما وفرّ دخلاً مستحقاً لهؤلأ ووفر للفريق مقراً يعملون منه. ومع زيادة اعداد المتطوعين ساهم كل منهم بخمسة ريالات لتسديد الإيجار الشهري البالغ مئتي ريال عماني. من ذلك المقر انطلقت المبادرات واشهرت «جمعية إحسان». تغيّر الاسم لكن بَقَتْ الاهداف نفسها مع التركيز الاساسي على رعاية الوالدين وترك الاهتمامات السابقة مثل العناية بالمرأة والطفل والتباعد. جاءت مبادرة الأدوات الصحية. كيف يمكن توفير سرير طبي مشابه لسرير المستشفى والكرسي المتجول للذهاب خارج المنزل وكرسي لدورة المياه والغيارات الصحي؟ تعرفت جوخة على أحد المقاولين الضالعين في إستيراد المعدات الطبية وصارت تستوردها مباشرة من الصين. تمكنت مثلاً أن تستورد سريراً طبياً بـ 190 ريالا عمانيا أو حتى أقل إن كان يدوياً، بدلاً من سرير المستشفيات التي تصل كلفته إلى حوالي 800 ريال عماني. شجَّعت جوخة العائلة كلها أن تساعد بتوفير المال لهذا الغرض كي لايتمنن احدٌ على الاسرة. تسهّل الجمعية للابناء الشراء عن طريق اصدقاء الجمعية الذين يساعدون عند الحاجة. من الخدمات الملّحة للمسنين هي توفير سيارات متخصصة لنقلهم من المستشفى إلى بيوتهم ومن بيوتهم إلى المطار للسفر خارج البلاد أو الذهاب إلى مواعيدهم الدورية مثل غسيل الكلى أو الظرفية حسب الحاجة. تمكنت جمعية إحسان من الحصول على اربع سيارات إسعافية لهذا الغرض، تحمل اسماءً مثل عطاء وهبة وعافية وأمل. كلها معاني القيم النبيلة. وسُمّيتْ أول سيارة تم شراؤها اسم كفاح و تقاعدت هذه السيارة بعد خدمة طويلة. تقول جوخة «كنت ابكي وأنا أبيع كفاح». وحرصت الجمعية على إشراك وتدريب اولاد المسنين على مرافقتهم في السيارة المتخصصة. الأسر تنقل الوالدين بأنفسهم مما أوجد روحاً من العاطفة والحب والسعادة في قلب المسنين والشباب. خمسون شاباً سجلوا اسماءهم كمتطوعين لقيادة هذه السيارات وتم تدريبهم ونقلوا حوالي الفي حالة وقطعوا حوالي 18,000 كلم في شهر واحد. في زمن الجائحة وفرت الجمعية اربعين جهازاً للتنفس وتم تدريب الابناء على استعمالها. تدفع الاسرة مبلغ مائة ريال عماني كضمان لإعادة الجهاز عند الشفاء . كما أن إحسان قدمت خدمة نقل الفريق الطبي إلى المنازل لاعطاء المسنين اللقاح الواقي.
جهزت الجمعية غرفة نموذجية في المقر كي تحذو حذوها الأسر في بيوتهم. غرفة نظيفة فيها سرير طبيٌ عليه فراش هوائي، يدخلها نورٌ طبيعي، مهوّءة، في المقر كاميرا للمراقبة الدائمة وقفازات والمستحضرات اللازمة لتنظيف الجسم. وقد اعطت جوخة اسم «خالو نصيره» للتعريف عن الغرفة هذه. ومبادرة «العم مرهون» وهي كرسي يجلس عليها المسن عندما يخرج إلى الحوش في الشمس حيث يتخلص جسمه من الفطريات ويتحول هذا الكرسي إلى سرير عند الحاجة. اسماءٌ تذكرنا ببراءة الأطفال.
أما مبادرة الاسرة البديلة فهي تعالج عمق المسألة. فالجمعية تبحث عن عائلة المسن أن لم يكن له اولاد فله اقارب. تجتمع بهم وتحثهم على تبني نسيبهم وتساعدهم على بناء غرفة له إن لم يكن يتسع المكان فيدخل الجميع في بوتقة القيم العائلية وماينجم عنها من محبة وسعادة.
مما تميزّت وتتميز به جمعية إحسان، التي نبعت من الواقع في المستشفى اربع سمات:
-التركيز على الهدف فلا تُشتت اهتماماتها بل تحصرها بخدمة ورعاية الوالدين. وكم ينقصنا التركيز في مساعينا إن كان في احاديثنا أو اعمالنا.
-الشراكة الفعلية بين الابناء والأهل مما يعزز الكرامة والسعادة والفرح في الأسر.
-الابتكار وهو السلعة التي يبحث عنها الكثيرون. مبادرة «خالو نصيره» «والعم مرهون» تدل على ذلك.
-واخيراً التدريب إن للسائقين أو للأبناء أو للمتطوعين أو حتى للمسنين انفسهم كي يقبلوا بسرور مساعدة ابنائهم لهم.
طالما أن في وطننا جوخة والكثيرات من امثالها ومثل إحسان وغيرها من الجمعيات، طالما أن مجتمعنا بخير إن شاء الله.