الحق المهدور

مقالات رأي و تحليلات الأحد ٢٣/مايو/٢٠٢١ ٠٨:٣٥ ص
الحق المهدور

بقلم : محمد بن علي البلوشي

لا أحد يود أن يرى روائح الموت .. فماذا إن كانت رائحة الموت هي الأطفال الذين تنهي الحروب حياتهم .. تقضي على أحلام ذويهم .. تسرق منهم لحظة الحياة وحقهم فيها .. هي الحروب والقتل التي لم يستطع البشر أن يتخلوا عنها حتى اليوم فيلجؤون لها مرغمين أو معاندين .. يدفع ثمنها الأبرياء وفي كل مرة أقول ينتصر الموت حينما يعجز الكبار عن حل المشاكل بالسلم والحوار والتفاوض.

جرب الجميع في المنطقة الحروب.. قريبا منا هنا في الخليج جربها العراقيون والإيرانيون، جاران مسلمان ينتميان لدين واحد، إلا أن قرار الحرب لم يتخذه الشعبان بل اتخذته قيادات البلدين .. وكل منهما رأى نفسه مظلوما .. صدام حسين الذي طرح نفسه الزعيم القومي الذي سيقف في وجه الثورة الإيرانية المشتعلة والمتوهجة في ذلك الوقت .. كانت الأخبار التي نسمعها تقول لنا «وقد عادت الطائرات العراقية إلى قواعدها سالمة» بعد أن نفذت طلعاتها بنجاح وضربت أهداف «العدو» بدقة .. وفي المقابل كان الإيرانيون كذلك يدفعون بنفس الرسالة .. الكل يقول لشعبه إن رسالته مقدسة ولا تتم هذه الرسالة وتصل إلا بالحرب لصد المعتدي .. طحنت الحرب العراقية الإيرانية البلدين .. سوت بلدات بالأرض وضربت البنية الأساسية للبلدين .. لكن ذلك مقدور عليه فالمال يعيد كل شيء كما كان .. المأساة الكبرى إبادة الأحلام والنفوس .. نحو مليون قتيل خلال 8 سنوات من الحرب العبثية التي لم يكن ينبغي أن تقع ومع ذلك وقعت وهي لا تزال تحمل في كلا الطرفين ذكرى سيئة حينما يستحضر كلا من فقد من الأحباء وعاش مآسيها. لم ينتصر أحد.

وليس ببعيد عنا تقاتل العرب والإسرائيليين كثيرا جربوا كل الحروب .. حرب 48 وحرب 67 وحروب قصيرة ومتوسطة المدى .. وفي عام 1979 قام الرئيس أنور السادات بخطوة سياسية شجاعة في ذلك الوقت وعقد اتفاقية سلام مع إسرائيل فوقف العرب ضده فقد كسر المحرم الذي رأى العرب فيه استهانة بالقضية الفلسطينية فحوصرت مصر وقوطعت .. لكن مصر انطلقت في ورشة تنمية داخلية حتى عاد العرب إليها .. ثم توجت القضية الفلسطينية باتفاق أوسلو الذي كان له وعليه ومع ذلك فقد كسب العرب نقطة صغيرة بعد أن أضاعوا مئات الفرص يوم «كانت إسرائيل تلتمس السلام وعلى استعداد أن تقدم المزيد .. قبل فترة عبر الأمير بندر بن سلطان شارحا موقف بلاده من القضية الفلسطينية وسرد لنا الفرص الضائعة - في ظل انقسام عربي وتشنج الشارع العربي - بوصفها «قضية عادلة ومحامون فاشلون» على حد تعبيره .. إن شرح هذه الجملة متعدد وحمال اوجه كثيرة لكن وحتى لا نحشر الزعيم التاريخي أبو عمار - رحمه الله - في زاوية ضيقة فإن العرب لا يجيدون اقتناص الفرص فيخلطون بين المكابرة وفن الممكن في السياسة .. كانت القضية الفلسطينية في ذلك الوقت تترنح بين عواصم عربية فتمخضت عنها أطراف ترفض كل شيء وأطراف تحض على التفاوض ومنها مصر وبعض دول الخليج .. ثم اللاءات الثلاث التي ظن العرب أنها هي من ستعود بالحقوق لهم .. فتمضي السنون وتظل القضية الفلسطينية في مكانها ويعيش الأشقاء الفلسطينيون جحيم الاحتلال وتفرج أشقائهم العرب عليهم دون قدرتهم على صنع شيء. الأن هناك حكومتان .. حكومة في رام الله معترف بها في العالم وحكومة في غزة والعرب منقسمون بينهما لتصفية حسابات وهمية وتظل القضية الفلسطينية العادلة والشعب الفلسطيني هو الخاسر الأكبر.

نتنياهو يميني متطرف ولا يحتاج لشهادة من أحد .. فهو لا يسعى للسلام بل لتحقيق طموحاته الشخصية في إسرائيل ولو كان محقا وينشد السلام فإن المبادرة العربية لا زالت حاضرة ومطروحة وهي مدعومة عربيا ولا خيار آخر غيرها للعرب أو الإسرائيليين فالخيارات الأخرى - وذلك محال - أن يتطاحن العرب والإسرائيليين - حتى الفناء. هو لا يريد سلاما قائما على حدود «هزيمة» ما قبل 67 ولا القدس الشرقية عاصمة لفلسطين ولا عودة للجولان وغيرها من الحلول التي قدمها العرب في مبادرة السلام العربية .. فقط يستغل تواجد حماس كذريعة لغياب السلام .. إنه يكذب كثيرا. حين التقى بن علوي في مؤتمر بوارسو خاطب نتنياهو قائلا “يعاني الناس في الشرق الأوسط كثيرا لأنّهم عالقون في الماضي .. نقول الآن إن هذا عصر جديد من أجل المستقبل”. لقد كان الوزير محقا في ذلك الوقت .. إلا ان الأحداث الأخيرة تدل على أن العرب بحاجة إلى تجاوز خلافاتهم إن كانوا يعتبرون القضية الفلسطينية قضيتهم الأولى .. وسيظل نتنياهو يتلاعب بأعصابهم إلى أن تفرز الانتخابات المقبلة مسارا آخر .. غير ذلك هو صراع مفتوح وأنهار من الدماء ستظل تسيل .. ليس بيد العرب شيئا.