البحر ميزة أهل عُمان

مقالات رأي و تحليلات الاثنين ١٥/يونيو/٢٠٢٠ ١٩:٥٥ م
البحر ميزة أهل عُمان

محمد بن رامس محمد الرواس
mramis@ssds.co.om

"إن ربابنة السُفن من سيراف وعُمان كانوا يرتادون بحار الصين والهند والسند وأفريقيا الشرقية، واليمن والبحر الأحمر والحبشة، كما كانوا يقطعون أطوال الطرق البحرية التجارية في فترة القرون الوسطى"
*المؤخر المسعودي (٢٨٣هـ -٣٤٦هـ)

أهدى لي صديق عزيز قبل عدة أشهر كتاب " الرياح الموسمية" للكاتب الامريكي روبرت كابلان وعندما تصفحته وجدت أن المؤلف يتحدث عن تأثير الجغرافيا في مصائر الشعوب ، وانتهى في كتابه إلى قوله ( أن الجغرافيا هي جوانب الضعف والقوة في الدول المختلفة ، وهي التي شكلت العالم فيما مضى كذلك ستشكل الجغرافيا المستقبل للدول ، فالجغرافيا والتاريخ هما القدر لمصير أي أمة ) ولقد تحدث كابلان عن أهمية المحيط الهندي ومستقبل القوة العالمية المقبلة في المجال الاقتصادي وأشار الي ان الصين و الولايات المتحدة وعُمان واندونيسيا والهند هم من سيلعبون الدور الأهم في المجال اللوجستي العالمي الجديد ، وذكر أن سواحل أفريقيا مروراً بالسواحل الجنوبية لشبه الجزيرة العربية (سواحل عُمان) ومن ثم الهند وصولاً إلى الصين هي القوى العالمية الراهنة والمقبلة.
"عُمان في كل مكان" هذا ما عنون به روبرت كابلان احد فصول كتابه حيث يتحدث عن أهمية عُمان وتأثيرها الثقافي والتجاري بحوض المحيط الهندي ، فسلاطين عُمان وربابنتها خاضوا البحار، جنوباً وشرقاً مما مكنهم من ربط التجارة العالمية براً وبحراً.
إن الموقع الجغرافي الاستراتيجي لسلطنة عُمان الواقع على ضفاف بحر العرب وبحر عُمان المرتبطان بالمحيط الهندي جعل ميرتها ورزقها من هذه البحار عبر الاف السنين ، حيث جابت السفن والاساطيل العمانية المعمورة شرقاً وغرباً، فانتشر اهلها تجارا، وربابنة ، ودعاة اسلام وسلام ، كما نهضت على ضفاف شواطئ عمان حضارات وممالك ودول ، ارتبطت علاقاتها بشعوب وحضارات وثقافات العالم شرقاً وغرباً ، ومن خلال المتغيرات الأخيرة على الصعيد العالمي مع بداية القرن الحالي برز موقع عُمان اللوجستي من جديد وبقوة وقامت موانئها في ظل المتغيرات الحاصلة حالياً بخدمة الأسواق في وقت قياسي جداً، وذلك بسبب أن القوة الاقتصادية للموقع الاستراتيجي والبنية الأساسية في مجال النقل البحري التي تمتلكها السلطنة ظهرت عبر جاهزية موانئها للقيام بدورها البحري علي اكمل وجه .
تاريخياً... لم تربط عُمان بموقعها الجغرافي الفريد الجزيرة العربية والصحراء بالعالم وحسب، ولكنها ربطت ايضاً الشرق بالغرب كما ربطت سواحل أفريقيا بالجزيرة العربية والهند، ولطالما جابت السفن والاساطيل العُمانية بربابنتها الأفذاذ، ورواد البحر الحاذقون المهرة العالم مساهمين ومشاركين في صناعة الحضارة الإنسانية اقتصادياً وتجارياً وثقافياً عبر العصور والأزمنة المختلفة .
إن الحقائق الجغرافية تقول لنا أن عُمان هي احد الدول الفاعلة والمؤثرة تاريخياً بحوض المحيط الهندي ، حيث كانت ولا تزال محور التقاء الشرق والغرب ، فهي ذات موقع استراتيجي فريد يمكنها من لعب أدوار هامة في المستقبل التجاري والاقتصادي واللوجستي في حوض المحيط الهندي اليوم وغداً ، والشاهد على ذلك ما يحدث الان من رسو السفن الكبرى العملاقة من سفن الحاويات بالموانئ العمانية ذات المواقع الاستراتيجية المميزة بين الشرق والغرب .
كنت قد نشرت العديد من المقالات بجريدة الشبيبة قبل عام تقريباً ، اشرت فيها الى ان المستقبل اللوجستي للسلطنة الذي ينتظرها قادم وزاهر بأذن الله تعالى بناء علي المعطيات التاريخية والجغرافية ، واذكر من هذه المقالات " عُمان عبقرية الزمان والمكان "و " عُمان موقع لوجستي بامتياز و "الصين والهند وأفريقيا .. شركاء الأمس .. شركاء الغد" و "عُمان أيقونة المحيط الهندي" ولقد نوهت خلال هذه المقالات الي أن خطوط الملاحة العالمية للشركات الكبرى سواءً كانت بحرية أو برية أو جوية ، ومن خلال المتغيرات القادمة ستعيد توزيع نقاط ملاحتها من جديد ، خاصة البحرية منها لتلعب دوراً يتماشى مع المتغيرات التي سوف تحصل في عالم الاقتصاد الجديد ، والتي سوف تعتمد فيه التجارة الصناعة على البلدان ذات المواقع الجغرافية والاستراتيجية. وللحديث بقية