التخصيص ليس مصيبة

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ١٨/ديسمبر/٢٠١٩ ١١:٢٣ ص
التخصيص ليس مصيبة

علي المطاعني

التخصيص ليس جديدًا ولا مفاجئًا في السلطنة ليُحدث هذه الضجة واللغط في الأوساط المحلية والاقتصادية في البلاد، وما صاحبها من حالة من التشنج لسوء الفهم لمرامي التخصيص وأهدافه التي تسعى إليها الحكومة، إنما يعود إلى المرسوم السلطاني رقم 42/‏ 96 الصادر بتاريخ 8 يونيو 1996م، أي بعد 16 سنة فقط من النهضة المباركة، ويفيد المرسوم في المادة الأولى إلى أن التخصيص جزء من السياسة الاقتصادية للسلطنة، بل إن السياسات أشارت بصريح العبارة إلى أن التخصيص يشكّل جزءًا من برنامج الحكومة لتحقيق التنمية المستدامة، بل إن السلطنة أعادت هيكلة قطاع الكهرباء بفصل الجهات التنظيمية والإدارية والتنفيذية منذ عام 2005 م، وإنشاء مجموعة نماء القابضة (شركة الكهرباء القابضة) آنذاك التي تمتلك مجموعة من الشركات.

بل إن قطاع تنظيم وتخصيص الكهرباء بالذات صادر بالمرسوم السلطاني السامي 78/‏2004م، وفوق هذا وذاك فإن أول محطة كهرباء تم تخصيصها بالكامل هي محطة منح لتوليد الطاقة الكهرباء منذ عام 1996م بنظام البوت (الامتلاك والإدارة والتشغيل) بذلك يعد أول مشروع للطاقة الكهربائية يقوم القطاع الخاص بتطويره في السلطنة.

فكل هذه الحقائق والبيانات التشريعية والبيانات التنفيذية تشير بما لا يدعو مجالا للشك أن فكرة السياسة التخصيص ليست وليدة اليوم وإنما مضى عليها تشريعها كسياسة عام 1996م أي قبل 23 عاما، إلا أن تهيئة الرأي العام ما زال دون المستوى المطلوب في مثل هذه القرارات والاتفاقيات والسياسات الاقتصادية التي لا محالة من تطبيقها في إطار سياسة الحكومة التنويع الاقتصادي في البلاد، وجذب الاستثمارات الأجنبية وتحويل جزء من القطاع العام إلى الخاص، واستثمار عوائد الخصخصة في مشروعات أخرى أو سد عجوزات في الميزانيات العامة للدولة، الأمر الذي يتطلب من الجهات الحكومية التعاطي مع الرأي العام بأنه ليس ضميرًا غائبًا في مثل هذه الأمور، وإعطائه كل البيانات والحقائق وتغيير الكثير من المفاهيم الخاطئة حول السياسة الاقتصادية لكي يتعاطى معها بإيجابية ومنعًا للتأثيرات السلبية التي تصطاد في المياه العكرة.

إن بيع الأصول الحكومية ليس وليد اليوم أو الأمس وإنما من التسعينيات الحكومة تنتهج الخصخصة ببيع الأصول الحكومية ذات الصفة التجارية سواء في قطاع الفندقة والاتصالات والكهرباء وغيرها بأنظمة التخصيص المعروفة، وليس هناك ضير في ذلك، وانشئت شركات في قطاعات بعدما تلاحظت قلة الاستثمار فيها من القطاع الخاص لوجود الكثير من البدائل ولكون العائد على الاستثمارات طويلة المدى كقطاعات السياحة والأمن الغذائي واللوجستيات وغيرها من القطاعات لتكون أذرعًا حكومية في تنفيذ سياسات التنويع الاقتصادي، وقد تبيع غدًا هذه الأصول أو أجزاء منها بهدف إعادة تدويرها في قطاعات أو مشاريع أخرى وهكذا تدورعجلة الاقتصاد وتنتهج الحكومات مسارات عدة لبناء اقتصادها وبيع اصوالها بهدف إعادة تدوير أموالها، وليس بيع نسبة 49 بالمائة من الشركة العمانية لنقل الكهرباء لشركة صينية من بين 90 مستثمرًا وأكثر من 11 طلبًا للشركة من 23 مستثمرًا استراتيجيًا عالميًا، إلا واحدًا من العروض الفائزة بالتنافس بعد التقييم على شراء حصة الشركة.

إن تحويل ملكية الدولة على القطاع العام أحد محاور السياسات الاقتصادية التي تتبنّاها الدولة في إطار جهودها للتخلص من الأعمال التنفيذية والتفرغ للإشراف والتنظيم أكثر من تقديم الخدمة، ومع ذلك وضعت الضوابط التي تنظم التخصيص في السلطنة بدون أضرار تلحق بالعاملين أو التعرفة أو الرسوم وغيرها، والتدرج في التخصيص بما يكفي لاستيعاب ‏اي متغيرات اقتصادية واجتماعية وغيرها.

فهذه الضوابط للتخصيص موجودة منذ عام 1996م إلى اليوم يُعمل بها ولم تطرأ اي أضرار نتجت عن سياسات التخصيص، مقارنة بمكاسبه المتمثلة في جذب الاستثمارات الأجنبية وكذلك نقل التكنولوجيا وايضا تعزيز الانتاجية ‏وتغيير مفاهيم العمل في القطاعات المخصصة والانتقال من وضع الى آخر، وقبل كل شيء التكيف مع المتغيرات الاقتصادية التي تفرض هكذا سياسات في تقليل تملك الحكومات لاصول تجارية.

ولكن في الوقت ذاته نعترف بأن هناك قصور بمسألة التوعية وتهيئة الرأي العام بمثل هذه السياسات الاقتصادية وكيفية تهيئة المجتمع لها‏، رغم أن المرسوم السلطاني السامي رقم 42/‏1996م أشار بنص العبارة في المادة 9 من المرسوم (يهيأ المجتمع - باستخدام مختلف وسائل الإعلام - لقبول التغيرات في الهكيل الاقتصادي والصناعي في الدولة وذلك من خلال إيضاح مزايا التخصيص لأفراد المجتمع وأهميتها في رفاهيتهم، ولاسيما ذوي الدخل المحدود منهم وفي دفع عملية التنمية الشامل)، إلا أن ذلك لم يتم للأسف من عام 1996م والى اليوم وما حصل من ضجيج حول بيع حصة من الشركة العمانية لنقل الكهرباء ما هو إلا نتيجة لعدم تهيئة الرأي العام، وجزء من إخفاقات سابقة وقعت فيها جهات حكومية أخرى في إصدار تشريعيات وقرارات وغيرها من الجوانب التي تمس المجتمع تحتاج إلى المزيد من الايضاحات والتوعية والتهيئة الكافية والاستفادة من الدورس والتجارب السابقة، بل وتنفيذ مراسيم سلطانية سامية صادرة بهذا الشأن منذ فترة طويلة.

إن التخصيص للقطاع العام سيمضي ليس بهدف جمع أموال من المستثمرين أو بيع اصول حكومية وغيرها وإنما هيكلة ذهنية المجتمع للتعاطي مع المرحلة المقبلة من المتغيرات الاقتصادية التي يتطلب التهيؤ لها ليكون كل فرد جزءا لا يتجزأ منها ومتفاعلا معها ومتكيفا مع تبعاتها باعتبارها قادمة لا محالة، اليوم او غدا، ويتطلب المزيد من تهيئة المجتمع بهذه المستجدات والمتغيرات التي تحول حول العالم ولا يمكن أن نخفي رؤوسنا في الرمال عنها وإنما مواجهتها بالمزيد من الإصرار والعزيمة على تجاوزها.

بالطبع سياسات التخصيص كما يصفها البعض ليست كارثة او مصيبة أو غيرها من هذه الكلمات الرنانة التي يدغدع البعض قلوب الضعفاء، ‏و إنما يمكن تعريفها بأنها سياسة ممنهجة تهدف إلى تهيئة البيئة الداعمة لتحقيق النمو الاقتصاد المستدام وتوزيع الأدوار بين القطاعين العام والخاص بحيث تتفرغ الحكومة لرسم السياسات والتنظيم، والتركيز على الأنشطة الأهم كالتعليم والصحة والأمن وغيرها.
ومع ذلك الحكومة تطئمن المجتمع دائما بعدم المساس بحقوقه ومنها التعرفة الكهربائية، وبأنها بيد الحكومة وليست الشركات وتطئمن الموظفين بانه لا مساس بحقوقهم المكتسبة بالقانون، إلا أن البعض لا يهدأ إلى أن يضرب على هذه المواجع مُنصِّبًا نفسه وصيًا على الناس ومصالحها أكثر من رعاية الحكومة.

نأمل أن نفهم الأمور بشكلها الكلي ولا نستبق الأحداث ونثق في الضمانات الحكومية التي تقدمها سواء على التعرفة أو غيرها، وعلى الجهات الحكومية أن تستفيد من الإخفاقات في عدم تهيئة الرأي العام بهذه الجوانب قبل توقيع اتفاقيات لما له من إيجابيات في تقبل هذه التطورات وغيرها.