
مسقط - العمانية
يراكم الشاعر سعيد الصقلاوي في مجموعته «وصايا قيد الأرض»، تجربة متنوعة وثـــــرية في العلاقــــــة مع القصيدة.
وكعادة الشعر الإنساني العابر للجغرافيا والحدود، تتناول المجموعة التي صدرت طبعتها الثالثة عن المركز الدولي للخدمات الثقافية ببيروت (2019)، موضوعات تمجد الإنسان وتعلي من قيم الحرية والعدالة والمحبة والإخاء بمعانيها العميقة.
وبنى الشاعر على القديم، مستثمراً مفردات تراثه العريق ومتفاعلاً مع ثقافته وحضارته الضاربة جذورها في الأرض، ليعبّر من خلال ذلك عن الواقع والحاضر والانكسارات العربية التي نعاني منها اليوم وعلى جميع الصعد.
ولا غرو والحالة هذه أن تتنوع قصائد المجموعة بين الشعر العمودي والشعر الحر. ولا غرو أيضاً أن يتناول الشاعر شخصيات تميزت بالبطولة والفروسية عبر التاريخ، وكأنه يحاول من خلال استعادتها استعادة أمجاد الماضي وفتح طاقة أمل على المستقبل الذي من الممكن أن يجود بشخصيات كتلك؛ تعيد للحضارة العربية ألقها وحضورها وتأثيرها، كشخصيات عبد الرحمن الداخل، وأبي بكر الأزدي العُماني، والإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي، والمهلب بن أبي صفرة الذي يقول فيه الشاعر:
«سلامٌ على الرافدين
يُعَرِّشُ فوق ضفاف التواريخ فجراً
ويكتبُ أسطورة الشرفاء
سلامُ المهلّب للأهل في بصرة الكبرياء،
ترفرف رايته بسناء الإله على مطلع الشمس في خرسان
وتعصب بالنور هامات شمّ الجبال».
كما احتفى الصقلاوي بالمكان العُماني الأثير إلى قلبه ووجدانه، مستحضراً تلك المدن التي قاومت الغزو والاحتلال وصمدت في وجوه الأعداء، فنجد «راس الحدّ»، و»نزوى»، و»ذرى الجبل»، و»صور»، و»سمهرم»، كما نجد ذكراً لقبائل عُمانية وعربية قديمة، جاءت في سياق تعبير الشاعر عن التلاقح الحضاري والثقافي لأبناء السلطنة، وتقبُّلهم للآخر على أسسٍ وثيقة من المحبة والتآخي:
« من ماكيتا بمسندم مع شيسور ظفار
صاغ العالم مرجانا داناتٍ، ودراري
(كولي) وأثينا زانهما آلاء صحار
سفن للهند وأفريقيا سفراء دياري
حبّ الإنسان لنا دينٌ وضياءُ مسارِ».
ويرى الناقد والأكاديمي د.محمد حسن عبد الله في تقديمه للمجموعة، أن الصقلاوي الذي يرأس الجمعية العمانية للكتّاب والأدباء، مزج بشكل متوازن بين محاور ثلاثة وهي: قدرته على تمثيل تراث أمته العربية في مجال الغزل وفلسفة الحسّ التكاملي بين المرأة والرجل، وبين العذرية والحسية؛ وحرصه على الانتساب إلى وطنه العُماني وأمته العربية بإشهار الخصائص الوجدانية والملامح المكانية وأزمات السياق التاريخي والأمل في الآتي على السواء؛ واستيعاب الشاعر طبائع عصره الثقافي الراهن وخصائص أساليب شعره في جوانبها الصحية، من دون أن يفقد اتجاهه بأن ينغمر بين أمواج الحداثة المستجلَبة.
ويؤكد الناقد في تقديمه الذي حمل عنوان «الملّاح العُماني يستردّ صورته»، أن شعر الصقلاوي يتسم عامةً بالوضوح؛ وضوح المعنى والصور المجازية والصور المرسومة بالكلمات، وكذلك بالعلاقات البنائية سواء في الجمل أو في سياق التموجات الانفعالية في القصيدة.
ويضيف أن قصائد الصقلاوي تعكس طبائع نفس صافية، تتمتع بتوازن فريد يتجلى في خلع الصفات على الشخصيات التي رغب الشاعر في تصويرها شعراً، سواء أكانت هذه الشخصيات مناضلة أو عاشقة أو منحرفة تغري بالهجاء. مشيراً إلى أن الصقلاوي في قصائده العشقية يستعيد عرش الحب متحرراً من رذاذ أشعار نزار قباني التي أصابت بعض قصائده السابقة.
وتميزت الصور الشعرية في المجموعة بالنهل من تجربة الشاعر الحياتية، والتي تتفاعل بالضرورة مع طفولته في المكان، والسياق الاجتماعي الذي شبّ فيه وعايشه. كما تنهل من اطلاعه وتفاعله مع التاريخ والتراث العربي. فمن صوره الشعرية واحدة عن مداعبة العنبر أسنانَ المشط، وأخرى عن تلمس الثوب المعطار رقةَ الجسد، وثالثة عن غزل المعطف من خيط الضياء: