لماذا لا توجد إذاعات باللغات الآسيوية في السلطنة؟

مقالات رأي و تحليلات الاثنين ٠٩/أبريل/٢٠١٨ ٠٢:٢٢ ص
لماذا لا توجد إذاعات باللغات الآسيوية في السلطنة؟

علي بن راشد المطاعني بمحض الصدفة سألني أحد المقيمين لماذا لا تبث إذاعات باللغات الآسيوية- هنا- أي في السلطنة، وهناك أعداد هائلة من الجاليات تصل لأكثر من مليون نسمة لبعض الجاليات أو تقترب من هذا العدد. وأردف قائلا هنا إذاعات خاصة باللغة الإنجليزية عامة، وخاصة رغم أن أعداد المستمعين ليسوا بذلك العدد مقارنة بالأعداد الهائلة من الجاليات الآسيوية التي لديها لغة مشتركة يمكن أن تبث بها إذاعات عامة أو خاصة. وأسهب في الحديث عن هذه الإذاعات بأنها ستكون أدوات للتواصل مع الجاليات والاستماع إلى أرائهم ومقترحاتهم وانطباعاتهم كغيرهم من المواطنين والمقيمين. فلم أستطع الإجابة عليه لكني اطرح هذه التساؤلات لماذا لا توجد إذاعات آسيوية نستطيع أن نخاطب بها الآخرين الذين يعيشون بيننا كما في بقية الدول، خاصة وأن السلطنة دولة لها صلات حضارية مع دول العالم، فضلا عن توصيل رسالتنا لهذه الجاليات باللغة التي تتحدث بها إذا لم نستطع إدماجهم في المجتمع وتعليهم اللغة العربية. فاليوم تشكل بعض الجاليات نسبة كبيرة من السكان في السلطنة تتحدث بلغات متقاربة ، هذه الجاليات تتعايش معنا وهي جزء لا يتجزأ من السكان لهم من الحقوق مثلما عليهم من واجبات، ولعل من الحقوق لهم أن نخاطبهم باللغات التي يتحدثون بها على الأقل لكي يكونوا على دراية بما يدور في البلاد وليتسنى لهم الإسهام في التفاعل والتعاطي مع المجتمع إيجابيا وتلافي السلبيات، بل معرفة الإجراءات والتعليمات واجبة الاتباع التي تصدرها الجهات بين فترة وأخرى، الأمر الذي يفرض وجود قنوات إذاعية بلغات أخرى وفق معدلات السكان والجدوى منها للمستثمرين إذا لم تكن للجهات الرسمية، فتجب إتاحة المجال للمستثمرين للاستثمار في هذا المجال. إن السلطنة دولة معروفة بتواصلها الحضاري عبر القرون الفائتة، ومد جسور العلاقات مع الشعوب الأخرى ثقافيا وتجاريا واجتماعيا هو إرث ممتد وقديم، مما يفرض تعزيز هذا الإرث بشكل آخر يتواكب مع المستجدات الراهنة ويستفيد من التكنولوجيا المتوفرة، من خلال البث بلغات مختلفة تسهم في تأكيد تلك المعاني على سبيل المثال، إذ ليس هناك ما يمنع ذلك في ظل توافر كل المعطيات والقدرة على التكيف مع هذه التباينات في ظل دولة المؤسسات والقانون. فإذا ألقينا نظرة عاجلة وموضوعية للدول المجاورة سنجد أن هذا الأمر قائم وموجود، فهناك بالفعل قنوات إذاعية تبث بلغات مختلفة لتحقيق ذات الأهداف التي أشرنا إليها، في حين إننا وللآسف لم نسمح حتى للقطاع الخاص بالاستثمار في هذا المجال بعد نجاحه في فتح قنوات إذاعية لها صيتها ومكانتها في الخارطة الإعلامية. من المفارقات أن هناك إذاعات عامة وخاصة تبث باللغة الإنجليزية في السلطنة في حين لا تبث أي قناة باللغات الآسيوية المعروفة رغم وجود جاليات كبيرة تناهز المليون نسمة في البلاد، كما أن أجهزة إعلامنا الرسمية تبث بعض البرامج والأفلام الآسيوية بهذه اللغات وتترجم إلى العربية وبعضها للإنجليزية، بل صالات السينما تعرض أفلاما باللغات الآسيوية على اختلافها، و دار الأوبرا السلطانية تستضيف فرق موسيقية من هذه الدول تعرض فنونها بلغاتها أيضا، في حين لا نسمح بفتح قنوات إذاعية على الأقل بذات اللغات!!، على الرغم من وجود رغبات من القطاع الخاص للاستثمار في هذا الجانب ورغبة من شرائح واسعة من هذه الجاليات لمخاطبتها باللغات التي تفهمها، بدلا من الاستماع لإذاعات تبث من الدول المجاورة وتأثيراتها، الأمر الذي يثير الاستغراب لهذا التعاطي المزدوج، أو عدم الفهم بين المسموح والممنوع. إن توسيع قنوات التواصل والتأثير الإعلامي يستوجب فتح قنوات أخرى بلغات أخرى لتوسيع نطاق الرسائل الإعلامية التي نؤثر بها على الآخرين، وهناك تجارب كثيرة في العالم على ذلك فالإذاعات العالمية الرسمية كهيئة الإذاعة البريطانية على سبيل المثال تبث بتسعة وعشرين لغة عالمية وغيرها الكثير لا مجال لحصرها، بهدف التواصل وإيصال رسالة تلك الدولة للعالم، في حين نحن لا نسمح لأجهزتنا الإذاعية بإضافة لغة أخرى غير الإنجليزية، ولا نسمح للآخرين بالاستثمار في هذا المجال، فما هي المسوغات التي ندفع بها في هذا الجانب، وما هي المحاذير التي نتوجس منها في هذا الشان، تساؤلات تطرح نفسها على الجهات المختصة. إن ثقافة المنع لم تعد الخيار الأنسب في هذا العصر الذي يحتم استيعاب المتغيرات الراهنة والبدائل المتوفرة وتأثيراتها على القاطنين معنا، فضلا عن أهمية استيعابهم وتوضيح ما لدينا من خلال برامج تتحدث باللغة التي يفهمونها وهذا حق صغير من حقوقهم علينا. نحن الآن نعيش في عصر انهارت فيه الحواجز وحوائط المنع الخرسانية، كما إننا وكأصحاب حضارة ضاربة في عمق الأصالة ليس هناك ما يقلقنا أو يخيفنا، وبالتالي يجب علينا أن نواصل دورنا في التأثير على الغير من خلال وسائل التخاطب الحديثة وبما يكفل سد الفجوات وتضييق الهوة التي تفصل ما بين الشعوب في إطار التكامل الإنساني في معناه الأسمى. عُمان وطن له من الاتساع الجغرافي والفكري والحضاري ما يمكنه من استيعاب الجميع وإتاحة المجال كاملا للآخرين لممارسة حقوقهم ومعتقداتهم وهواياتهم بدون الإضرار بالغير أو التعدي على الآخرين، ولله الحمد فإن كل من يعيش على هذه الأرض الطيبة يعلم بهذه الحقائق تماما. ومن مكاسب هذه القنوات أيضا أنها سوف تفتح آفاقا واسعة أمام الشباب العماني للانخراط في العمل الإعلامي واستيعاب عدد جيد من مخرجات الإعلام. نأمل أن يرخص للإذاعات العامة أو الخاصة بالبث باللغات الأخرى ذات الأغلبية الديمغرافية، على الأقل لتسهيل التخاطب والتعاطي مع هذه الفئات التي تعيش بيننا في ود ومحبة وسلام.