
مارك ليونارد
قبل وقوع الهجوم الإرهابي الذي استهدف سوقاً في جنوب فرنسا في الثالث والعشرين من مارس، كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يخطط لإطلاق حملة سياسية جديدة على المستوى الأوروبي. وعلى الرغم من تأجيل الافتتاح الرسمي للحملة، فإن المشروع الأحدث في جعبة ماكرون يظل يشكل أهمية مركزية لرئاسته وتصوره للسلطة.
على مدار ستة أسابيع، يعتزم ماكرون إرسال عشرة وزراء و200 عضو في البرلمان لاستقصاء آراء الشعب الفرنسي بشأن أوروبا والقضايا الأوروبية. وسوف توضع النتائج بعد ذلك في الاعتبار في تطوير منبر سياسي قادر على التغلب على الأحزاب الشعبوية والمتشككة في أوروبا في انتخابات البرلمان الأوروبي في العام 2019.
لفهم النطاق الكامل لطموحات ماكرون، ينبغي لنا أن نضع في الحسبان المبادئ التي ترتكز عليها نظرته للعالَم والتي توجه نهجه في التعامل مع السياسة. الواقع أن قِلة من الناس أفضل اطلاعا على فِكر ماكرون من المؤرخ والفيلسوف الفرنسي فرانسوا دوسي. لم يكن دوسي مدرسا لماكرون في معهد باريس للدراسات السياسية في أواخر تسعينيات القرن العشرين فحسب، بل كان أيضاً الشخص الذي قدمه لمعلمه الفكري الفيلسوف الفرنسي بول ريكور، الذي عمل ماكرون لديه كمساعد أبحاث لمدة عامين.
يبدو أن رؤية ماكرون لأوروبا تسعى إلى التوفيق بين أمرين لا يمكن التوفيق بينهما: إذ تتمثل خطته في الحفاظ على سيادة الدول الأعضاء وتعميق تكامل الاتحاد الأوروبي. وعلى المستوى المؤسسي، يعني هذا دعم الهيئات فوق الوطنية وفي الوقت نفسه السماح بقدر أكبر من المرونة في مناطق حيث الحكومات الوطنية، وليس بروكسل، في وضع أفضل لحل المشاكل.
يريد ماكرون، عندما يتعلق الأمر بالسياسة الدفاعية، العمل في إطار معاهدات الاتحاد الأوروبي القائمة، وهو يدعم المقترحات الخاصة باتفاقية دائمة للتعاون المنظم وإنشاء صندوق للدفاع الأوروبي. ولكنه يأمل أيضا في تجاوز أطر الاتحاد الأوروبي بل وحتى أطر منظمة حلف شمال الأطلسي الحالية لإنشاء مبادرة التدخل الأوروبي، والتي ستعمل جنبا إلى جنب مع القوات البريطانية والأميركية وغير ذلك من القوات العسكرية المتحالفة.
وفي ما يتصل بالهجرة، يريد ماكرون تأمين الحدود الخارجية لأوروبا وضمان تقاسم عبء استقبال اللاجئين عبر الاتحاد الأوروبي. وفي الأمد القريب، يدفع ماكرون باتجاه التوصل إلى اتفاق بين الدول الأعضاء بشأن حصص اللاجئين. ولكنه في الأمد البعيد يدعم المزيد من التناغم بين أنظمة اللجوء، أو حتى إنشاء هيئة لجوء مركزية للاتحاد الأوروبي.
ويأمل ماكرون أيضا في التوفيق بين الأفكار المتعارضة في ما يتعلق باليورو. ففي حين يسعى إلى إجراء إصلاحات داخل فرنسا للحد من مخاطر العدوى المالية، فإنه يدعو أيضا إلى ميزانية مشتركة وتنصيب وزير مالية لمنطقة اليورو بهدف جعل الاتحاد النقدي أكثر قدرة على الصمود في وجه صدمات المستقبل.
إلى جانب هذه المناطق، يريد ماكرون تعزيز الإبداع في المجال الرقمي، من خلال إنشاء نسخة أوروبية من هيئة المشروعات البحثية الدفاعية المتقدمة في الولايات المتحدة. وفي الوقت نفسه، يريد ماكرون حماية السيادة الوطنية في العصر الرقمي من خلال فرض الضوابط التنظيمية وتبني نهج مالي مشترك.
يتمثل مفهوم ريكور الثاني الذي ترتكز عليه رؤية ماكرون للعالم في «إعادة التأسيس» الأوروبية. ففي حين كانت الموجة الأولى من التكامل الأوروبي مقتصرة إلى حد كبير على الاقتصاد، يريد ماكرون الآن التركيز على السياسة والثقافة، بدءا من انتخابات البرلمان الأوروبي في العام المقبل.
في مستهل الأمر، كان أنصار ماكرون يخططون لتجنيد منشقين من مجموعات حزبية أخرى، ثم التحالف مع تحالف الليبراليين والديمقراطيين من أجل أوروبا من ذوي الميول اليسارية. لكن إنشاء حركة «إلى الأمام!» أوروبية قد يعني أنهم سيحاولون أيضا التغلب على تحالف الليبراليين والديمقراطيين من أجل أوروبا.
لا زلنا في انتظار الكثير، ولكن من الواضح بالفعل أن ماكرون جلب نوعا جديدا من التفكير إلى السياسة الأوروبية. وهو يرى أن السيادة في أوروبا لا يمكن ممارستها إلا على مستوى الاتحاد الأوروبي. وهو يأخذ فرنسا من الجمهورية الخامسة إلى الجمهورية السادسة التي لم تعد فرنسية-فرنسية، بل أوروبية حقا.
مدير المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية.