إلغاء الامتحانات

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ٢٨/مارس/٢٠١٨ ٠٧:٠٩ ص
إلغاء الامتحانات

فريد أحمد حسن

الدعوة إلى تحطيم تقاليد النجاح والرسوب في المدرسة الابتدائية والتوقف عن إخضاع الطلاب للامتحانات وجعل الانتقال من صف إلى صف أعلى حكرا على من يجتاز تلك الامتحانات التي لا تقيس في الغالب إلا القدرات الأقل وأساسها الاسترجاع والحفظ، هذه الدعوة ليست جديدة، ففي بعض الدول بدأت منذ أكثر من نصف قرن وحققت نجاحات لافتة شجّعت على اتخاذ قرارات مهمة وفّرت على الطلاب وأولياء الأمور الكثير من المعاناة التي يتسبّبها ذلك النظام التعليمي الجامد الذي يعتمد معايير يسهل وصفها بالظالمة، وهي المعايير التي ما تزال معتمدة في مدارسنا الابتدائية في دول مجلس التعاون الخليجي اليوم بما فيها المدارس غير الحكومية حيث يتعرّض الطفل بين السادسة والثانية عشر من عمره إلى ضغوط نفسية بسبب الامتحانات ومعايير الانتقال من صف إلى صف تزداد لو أنه أخفق في تحقيق أرقام معيّنة في مواد لا تؤهله بالضرورة قدراته على استيعابها ويفترض ألا تقف في طريق تقدمه ونقله إلى صف أعلى.

مهم هنا توضيح الفارق بين الامتحان والاختبار، فالامتحان وسيلة يتم فيها تقييم مدى قدرة الطالب على تحقيق الأهداف التعليمية ومدى تمكّن المعلّم من جعل الطالب يتعلّم المطلوب، بينما الاختبار أداة قياس يتم من خلالها فحص الطالب بغية التأكد من مدى إتقانه للمادة أو المهارة التي يفترض أنه اكتسبها. بمعنى أن الامتحان تقييم نهائي وحكم بالنجاح أو الرسوب يصدره المعلّم على المتعلّم، بينما الاختبار أداة الغرض منها التأكد من استيعاب التلميذ وتقويمه ومن ثم إعادة تقويمه بعد أن تتم معالجة الخلل لديه. ولأن النظام التعليمي الذي ما يزال معتمدا في دول مجلس التعاون الخليجي يفرض إصدار حكم على المتعلّم قبل السماح بانتقاله إلى صف أعلى أو مرحلة أعلى لذا فإنه لا حيلة للطالب سوى الخضوع للامتحانات التي إن اجتازها سمح له بالتطوّر وإن لم يجتزها اعتُبر فاشلا وغير مؤهل للانتقال إلى المستوى الأعلى وتلقي مزيد من العلم والمهارات، الأمر الذي ينتج عنه الكثير من السلبيات وقد يحرم المجتمع والوطن من عطاء أفراد قد لا ذنب لهم سوى تأخر تفتح قدراتهم.

ولأن هذا النظام قاصر منطقا ويتضرر منه الكثيرون لأنه يفترض أن جميع المتعلّمين في مستوى واحد ويمتلكون نفس القدرات ونفس الدافع للتعلّم وليس بينهم فروق فردية لذا فإن الدعوة إلى استبداله صار لزاما خصوصا مع التطوّر التكنولوجي الذي يشهده العالم واستفادت منه المدارس الحديثة في الدول المتقدّمة وتلك التي تولي التعليم أهمية كبرى وتعتبره الخطوة الأساس للانطلاق نحو النجاح والتطوّر.
هذه الخطوة التي يمكن أن تشمل طلاب المرحلة الإعدادية أيضا يمكن الاكتفاء بتطبيقها على تلاميذ المرحلة الابتدائية لبضع سنوات وتقويمها ومتابعة التطوّر الحاصل في سلوك التلاميذ وتعلّمهم عبر إجراء دراسة طولية لمن تعلّم عبر هذا النظام لمعرفة مدى تأثيرها عليه في المراحل التالية وحتى تخرّجه من الجامعة.
لم يعُد مناسبا اليوم الحكم على أي تلميذ بالفشل وإجباره على إعادة العام الدراسي وإخضاعه من جديد لسلسلة من الامتحانات قبل السماح له بالانتقال إلى الصف الأعلى، تماما مثلما أنه لم يعُد مناسبا إصدار المعلّم الحكم على التلميذ الذي يتفوّق على معلّمه في قدراته واستيعابه لإمكانات الهاتف المحمول والذي قد يلجأ إليه ليعرف شيئا عن الهاتف الذي يحمله في جيبه.
الزمن يتطوّر ولا مفر من تطوير أدواتنا ونظامنا التعليمي الذي لم يعُد يختلف اثنان على أنه لم يعُد مناسبا لهذه المرحلة، مثلما أنه لم يعُد مناسبا اعتماد الامتحانات أداة للحكم على نجاح أو فشل المتعلّم والسماح له من ثم بالانتقال إلى الصف الأعلى أو البقاء في صفه بغية «تقويته»، فزمن التلقين والحفظ انتهى وصار لزاما التأكيد على أهمية تعلّم طرق التعلّم والتركيز على الفهم وما يعلوه من قدرات ينبغي أن يكون أبناؤنا متمكنين منها وهم سيتعاملون مع زمان ليس بزماننا. الحديث هنا ليس عن تجارب ومحاولات ناتجة عن قرارات اتّخذها بعض المربين في بعض المدارس فهذا وارد ولعل بعض تلك التجارب والمحاولات أفضت إلى نتائج مهمة ونجاحات يُعتد بها، الحديث هنا عن قرار مطلوب اتّخاذه من قِبل المعنيين بالتعليم في دول مجلس التعاون يلزم المدارس الابتدائية بعدم إصدار الأحكام على التلاميذ وتصنيفهم إلى ناجحين وراسبين بعد إخضاعهم لامتحانات لم تعُد مناسبة لهذا العصر. لا بأس من تجربة النظام الجديد في مدارس يتم اختيارها في دول مجلس التعاون وإخضاعها للتقييم ومن ثم التوسع فيها وصولا إلى تعميمها، فهذا أسلوب علمي يبدو أنه لا مفر منه وقد تم تطبيقه على أنظمة سبق أن حظيت بحماس وموافقة رجال التربية، وإنْ كان الناتج في حالة الموضوع المطروح هنا موجبا وواضحا سلفا بالنسبة للكثيرين، فإخضاع نظام تعليمي للتجربة أمر يختلف عن إجراء أي تجربة أخرى كونه مرتبطا بجيل من المتعلّمين.

كاتب بحريني