الشماتة بالآخرين.. سلوك شائن وقبيح

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ٢٨/مارس/٢٠١٨ ٠٦:٣٦ ص
الشماتة بالآخرين..

سلوك شائن وقبيح

محمود بن سعيد العوفي

alaufi-992@hotmail.com

الشماتة بالآخرين من أخطر الأمور التي يجب علينا الحذر منها أشد الحذر، والبعد عنها تماما، والخوف منها أشد الوجل، هذا الداء الذي قلما تجد من يســلم منه، فتجــد الكثير من يشــمت في الآخرين سواء كان شعر بذلك أم لــم يشــعر، وذكر الله عز وجل في كتابه العزيز: {إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ} «الآية 50 - التوبة».

وتعد الشماتة سلوكاً شائناً وخلقاً قبيحاً يدل على نفس غير سويّة، وحقيقة الشمات إظهار الفرح والسرور بما ينزل بالآخرين من مصائب وما يحل بهم من كوارث وما يلحقهم من أقدار الله عز وجل من مرض وموت وغيرها من أقدار الله، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله كثيرا من الشماتة فيقول: عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تعوذوا بالله من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء» صحيح البخاري.

والأيام دول، فكم من غني افتقر، وفقير اغتنى، وعزيز ذل، وذليل عز، ووضيع ارتفع، ورفيع اتضع، وقوي ضعف، وضعيف قوي، وسليم ابتلي، ومبتلى عوفي، والدهر حين يجر بكلكله على قوم فإنه ينيخ على آخرين، وسيلقى الشامتون كما لقي غيرهم، وبالتالي ينبغي على الإنسان أن لا يراقب الناس، ولا يتبع عوراتهم، ولا يكشف سترهم، ولا يتجسس عليهم، وعليه أن يشتغل بنفسه، ويصلح عيوبه، بل يجب أن يعامل الناس بما يحب أن يعاملوه به على حد قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» رواه البخاري.
والعجيب في أمر الشماتة أن يفرح الإنسان في عافيته مقابل ابتلاء غيره، متناسياً أنه لا يمتلك الحصانة ضد تقلبات القدر وأحداثه الفجائية، وأن ما يحصل لأحدهم اليوم قد يحدث معه غداً، وللأسف الشديد، فالانقسامات الفكرية والاختلافات الشخصية قد تجعل الشماتة متصدرة قلوب المختلفين، فكل بلاء ينزل على الطرف الآخر هو مصدر سعادة وبهجة وارتياح لمن يخالفهم، والضمير الإنساني لهؤلاء الشامتين غارق في سبات تام، وكل طرف يظن أن له مبرراته التي تسوغ له الرقص على آلام الآخرين.
كلنا نحتاج لحماية أنفسنا من الصدمات والانكسارات وكل ما يجرح القلب ويؤذي الشعور، وفي ظل خوفنا الدائم على مشاعرنا قد نغفل عن الالتفات لمشاعر الآخرين، قد نتهاون في ضبط أفكارنا وإعادة توجيهها للمسار الصحيح، فعلى كل منا أن يصلح سريرته، وألا يمكن الغل والحقد من نفسه، علينا أن نسعى لتطهير قلوبنا من كل المشــــاعر الخبيثة التي تقتل إنسانيتنا وإحساسنا بالآخر.
وأخيراً، ما من أحد لم يجرب مرارة الحزن ولو بدرجات متفاوتة، منهم من يرتقي به الألم ليشعر بمعاناة الآخرين فيخرج من محنته سالماً وظافراً برضا الله ونصره، ومنهم من ينحط به لدرجة الغل والحقد والكراهية وتمني زوال النعم لغيره حتى يرتاح ويشعر بالتساوي مع الآخرين بتفكيره القاصر، ولن يزداد بنيته إلا خسارة.
فهنيئاً لأصحاب القلوب النقية، الذين يتحرون أسباب النجاة والعافية والرزق دون الالتفات لغيرهم بالحقد على أصحاب النعم، أو الشماتة بأصحاب الابتلاء.