
لميس ضيف
"نحن في زمن ننتظر فيه المحترم ليخطئ حتى نُثبت للناس أنه ليس محترماً". عبارة لا أعرف قائلها، ولا أين سمعتها، لكني أعرف مدى صحّتها ودقّتها. ولعلّني أضيف: إننا في مكان على هامش الزمن وهامش الحياة يجعلنا نتربّص بالناجحين، ونتمنّى سراً أن يسقطوا. لأن الناجحين في تفسيرنا لا يستحقون نجاحهم غالبا: فهم محظوظون، أو خدمتهم الظروف وغيرها من التبريرات التي نسوقها للانتقاص من منجزات الآخرين!
ولا نُحبّ في مجتمعاتنا الموهوبين أيضا إلا إنْ كانوا رياضيين أو فنانين. وحتى هؤلاء لا نُحبّهم لذاتهم بقدر ما نُحبّ متابعتهم والتلصص عليهم. لعل وعسى، مَن يدري، فقد يبدر منهم تصريح أو تلميح. أو قد نسمع عنهم فضيحة ما، وستأتينا الفرصة حينها للانقضاض عليهم هم أيضا!!
في أوساط العمل أقل الموظفين شعبية بين زملائه عادة ما يكون أفضلهم إنتاجاً. فذاك الذي يُؤثِر استغلال وقت العمل للعمل لا تشبيك علاقات مع الزملاء كثيرا ما يُساء تفسير سلوكه. فيُنظر له على أنه مُتعال أو في أفضل الأحوال انعزالي. لا أدري من علّمنا أن سوء الظن من حسن الفطن. رغم أن ديننا علّمنا (إنّ بعض الظن إثم)! وقد كنت أظن يقينا أن هذا الحال موجود ولا شك في كل مكان بالعالم حتى سنحت لي الفرصة بقضاء سنوات في دول متقدِّمة فاكتشفت أن أجواء العمل هناك لا تُشبه الأجواء عندنا. فالمتميّز يُعامل كنجم وسط زملائه. ويحرص الزملاء على تشجيع نجاح بعضهم البعض. ويفسِّر ذلك ما وصلوا له في حياتهم. فالمناطحة والتزاحم لا يقودان لأجواء عمل صحّيّة منتجة كتلك التي نحلم بها في ساعات اليقظة والنوم.
قد نعزو ذلك لحالة الإحباط العامة وسط الناس. وعدم رضاهم عن أنفسهم وعن تموضعاتهم في الحياة. لذا فهم يتشفّون في سقطات الآخرين. ويجدون كثيرا من السلوى في انهيارهم. ويتابعون -بنهم- فضائحهم وزلاتهم ليقنعوا جبال اللاوعي فيهم أن هؤلاء ليسوا أحسن منهم في شيء. والمفارقة أنك لو مدحت أحدهم، وصبغته بالثناء لن يتداول الناس ما تقول. أما إنْ هجوته فستكون قد ألقيت عود ثقاب في كومة قش، وستنتشر إساءاتك بأسرع مما تخطط.
إننا ندفع، كل يوم تقريبا، ثمن سلوكياتنا الهجينة هذه. ولا نتعلّم ممن هم أفضل منّا ببساطة لأننا نرفض الاعتراف بأنهم أفضل منّا! مجتمعنا بحاجة لصدمة حضارية عاجلة، هزّة تُعيد للناس صوابهم كما يقول المفكّر علي الوردي. فأنماط التفكير والتصرُّف هذه يجب أن تتغيّر، إنْ كنا نريد أن نحقق أي منجز في هذه الحياة.