
أحمد المرشد
تحدّثت في ليلة سمر امتدت حتى الفجر، فجر القاهرة الساحرة الجميلة، مع بعض الأصدقاء عن الجمال ومضمونه ومعناه، وهل الجمال هو ما ترصده العين كجمال الطبيعة أو جمال وجه القمر أو جمال امرأة مثلا؟ أم جمال الروح، أي ما يبطنه الظاهر وما يضطرنا إلى الغوص في داخل الإنسان؟ الجمال لدينا جمال المعشر أو ما يُسمونه حلو المعشر، وجمال الزهور والألوان والفنون والشعر والقصائد، فجمال الزهور وتنوّعها اللوني ينعشنا ويمنحنا التفاؤل بالحياة، وهكذا الألوان التي تشعرنا بأن الحياة جميلة ويجب أن نعيشها، ناهيك عن حبنا نحن العرب للغة الضاد وكل ما تحويه من جمال، ولهذا أبدعنا في الشعر وفنونه وتنوّعت لدينا القصائد ما بين غزل ومدح وجمال، وبطبيعة الحال لم نتحدّث عن قصائد الذم وهي كثيرة في تاريخنا أيضا.
وللحق أقول إن الحديث عن جمال المرأة استغرق وقتا كثيرا من الجلسة، حتى أبدعنا جميعا في هذا الجمال، ولكن الحديث عن جمال روح المرأة استغرق معظم الوقت، خاصة عندما تطرّقنا إلى ثقافتها، وتحدّثنا عن جمال الظاهر والباطن، والفارق بين الوجه والروح، الطلة والقلب.
فقد أسهبنا في حديثنا، وسأكتب ملخصا عمّا رويناه بدون تحديد من القائل حتى أعفِي الكل من المسؤولية أمام أسرته وذويه وزوجته. وخرجنا جميعنا بأوصاف جديدة للجمال وتعبيرات أجدد، ليس فقط جمال المرأة ولكن الجمال عموما: جمال الكون والطبيعة والخلقة والمخلوقين فما أعظمه الخالق في خلقه الجميل. فمن يُمعن النظر في بعض طيور الزينة لا يسعه إلا شكر الخالق، وتخرج من فمنا «سبحانه الله في خلقه»، وعندما تقع أعيننا على زهرة مورَّدة ومتفتِّحة حديثا نجدنا نسبّح بعظمة الله الذي أبدع هذه الزهرة، فالجمال ينبوع من السعادة لا ينضب، ولكن بشرط أن نعرف كيف نكتشف هذا الجمال ومكامنه. فالجمال مثل الزهرة، في عطرها، فنحن نحب الجمال نفسه والزهرة في نفس الوقت حتى قبل أن ننعم بالعطر.
واكتشفنا أن التفاؤل نوع من أنواع الجمال واليقين بأن الحياة تستحق أن نعيشها، فطالما الحياة تزخر بكل ما هو جميل وحسن فلمَ لا نحياها ونستمتع بحلوها، فالوجود نفسه جمال، لماذا؟ لأننا نرى الجمال في كل جزء فيه. والحب جمال؛ لأنه عندما نحب نرتقي بروحنا ونسمو بها ونرى ما لا أعين رأت من قبل، وتختلف نظرتنا سواء بالعين أو بالقلب؛ لأننا في هذه الحالة نرى الجمال الداخلي أو جمال الروح الذي لا يخدع ولا ينتهي فهو دائم مثل الكون. وإذا كانت عين المحب أو نظرته لحبيبته تكون نظرة جميلة، فهذا لأنه يريد هذا الجمال وهذا السمو، فالجمال والحب متلازمان حتى وإنْ كان الحب قصيرا. فالحب قبل أن يكون مشاعر جميلة فهو الجمال نفسه؛ لأنه يجمع ما بين روحين جميلتين، فهذا ليس جمال الشكل حتى ننخدع به، ولكنه جمال الداخل الذي لا تراه سوى الروح. وجمال المرأة ذاته لا يتمثل فقط بجمال طلتها أو قدها الفتان أو عيونها الغزلانية، ولكن جمالها الحقيقي والدائم ينبع من كون روحها مرحة ولطيفة تأسر الألباب. وقد قيل في جلستنا «إن أحسن الحُسن هو حسن الأدب وإن أجمل الجمال هو جمال القلب».. هذا بغض النظر عن المغرور دوما بالجمال والذي قال إن الفتاة الجميلة تحمل مهرها على جبينها، وإن كان تعرّض هذا الصديق لبعض النقد من الحاضرين، وكان مما قيل اعتراضا على رأيه إن المرأة الجميلة لا تعطي أكثر مما لديها في حين أن المرأة حلوة المعشر والمجلس والروح تحمل عذوبة في الحديث وتمنحنا إكسير الحياة كمياه النهر الصافي.
ثم الأهم من كل ما سبق، أن الجمال ليس نظرة وإنما شعور وإحساس ورضا نفسي، فالرضا يضيء وجه الإنسان ويمنحه قوة إضافية بسبب شعوره بالتفاؤل والقوة، فالجميل من يرى الدنيا جميلة وصبوحة ومُشرقة.
والحق أقول إني كنت مشاركا ومستمعا حتى انتهى مقطع الجمال الأنثوي، ولكني استأثرت لنفسي بالحديث عن جمال نهر يتدفق منذ آلاف السنين، يقطع آلاف الأميال من وسط إفريقيا حتى يصب في بحر مصر، إنه نهر النيل الذي أسكن بجواره ويسكن هو قلبي، وأراه رمزا من رموز الجمال والخير والنماء لكل ما يعيش في واديه الرحب، فوديانه وجداوله وقنواته وتفريعات تتمدد عبر مدن دلتا مصر حتى يمرّ بمنطقة سكناي بالقاهرة ليطل علينا بهيا صافيا، ولعلّي لا أبالغ إذا قلت إني أسمعه يتغنّى بحبه لمصر والمصريين ولكل من يطل عليه ويعيش على ضفافه. فقال فيه المؤرخ اليوناني هيرودوت: «يتمتع المصريون في الحياة بمشفى طبيعي، تربة نقية وجو متجانس» يقصد النهر ومياهه العذبة الذي مد المصريين بقوتهم وغذائهم وقمحهم وشعيرهم وأرزهم وبردياتهم وزهرة اللوتس رمز حياتهم الفرعونية، فالنيل هو الجمال بعينه، حتى قيل إن الملكة كليوباترا تجمّلت بطميه. وختاما لجلسة الجمال، فإن جمال العقل يرتبط بالفكر وجمال الروح يترافق مع الشكر.. وجمال اللسان هو الصمت.. وجمال القلب يكون دائما بذكر الله.. وجمال الكلام بالصدق، والجمال هو ابتسامة الحياة عندما نستبشر بها؛ لأن الجمال الحقيقي هو جمال الوجود الذي يشرح صدورنا، ولهذا فالجمال حولنا في كل مكان ما حيينا، ولكنه مرهون برؤيتنا له ومدى استشعارنا به، فالجمال نجده في حلو الكلام أي الألسنة، وفي القلوب والأعين والمعاملة الحسنة، فالدين المعاملة، ونجده في ابتسامة طفل يرى الحياة مُشرقة ويجعلنا نشعر معه بنفس إحساسه بالحياة، فالمطلوب من الإنسان أن يكون جميلا كي يرى ما حوله جميلا في هذا الكون، وأن نُحِب الجمال في الآخرين حتى يروا هم ما بداخلنا من جمال، فجمال الحياة أن نراها بقلوبنا. وعلى سبيل المثال، نعلم أن الفجر عندما يبزغ على الدنيا يبدأ اليوم في الإشراق وتكون أشعة الشمس على أهبة الانتشار لتضيء لنا الكون، فالفجر إذن جميل لأنه يشعرنا بجمال اليوم الآتي إلينا توا، ومن جمال الفجر أنه يأتي بعد ليل دامس الظلام أو على الأقل شبه ظالم إذا لم تكن لياليه قمرية، والفجر هنا هو النور الذي يأتينا من بعيد وننتظره ليأتي إلينا بخيراته وحبه وإشراقاته، فالزهور تتلألأ فجرا والندى يتساقط فجرا، فالفجر يطل علينا بالفرح والسرور والسعادة والابتسامة، ندركه بضوء وفرح في قلوبنا.. ويكفي القول إن كل جماليات الحياة حولنا لا تساوي شيئا ما لم تكن نظرتنا لها جميلة. ولعل من الجمال ألا نجرح أحدا بالكلام حتى لو اعتذرنا لاحقا؛ لأن الكلمة الخبيثة ستبقى ندوبها مرسومة في الذاكرة حتى لو اعتذرنا.
قبل الأخير..
ومن الجمال أيضا أن نرى مسنّة مصريّة تتبرّع بكل ثروتها وما تملكه من ذهب لصندوق «تحيا مصر» الذي خصّصته مصر للمساهمة في المشروعات القومية الكبرى، فكان مشهد الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي وهو يستقبلها بقصر الرئاسة مؤثرا للغاية وينمّ عن جمال روح هذه المرأة التي لم تبخل بما تملكه من أجل مستقبل وطنها.. والأجمل هو الحديث البسيط الذي دار بين المرأة والسيسي إذ نقلت له دعواتها له بعد صلاة كل فجر بأن يجعله المولى عز وجل منصورا ويحفظه ويُنجيه، فهو الذي نصر مصر وجعلها تقف على قدميها. ويستمر الحديث البسيط ليسألها رئيس مصر أن تروي له حكايتها فقالت له «إن أولادها الأربعة ينفقون عليها كثيرا وهي تدّخر كل الفائض الذي تبرّعت به». وتعهّدت بأن يزيد مبلغ تبرعها العام المقبل، والجميل أيضا أن المرأة التي حققت أمنيتها الغالية برؤية رئيسها قالت له أثناء الجلسة إنها من كثرة شوقها لمقابلته ورؤيته كادت تكسر التلفزيون -في دعابة رقيقة منها. ونقلت له دعوات أولادها وجيرانها وبلدتها.الحوار لم ينتهِ، إذ أعرب لها الرئيس المصري عن سعادته بجمال صنيعها مؤكدا لها أن دعواتها ودعوات أهل مصر كفيلة بنصرة البلاد من أي شر.
كاتب ومحلل سياسي بحريني