فرانسيس مانجيني
في 21 مارس 2018، خلال قمة كيجالي في رواندا، أطلق الزعماء الأفارقة منطقة التجارة الحرة القارية (CFTA)، وسيكون عليهم أولاً وقبل كل شيء تجنّب إطلاق أي منتج أو برنامج جديد غير مفيد أو غير ضروري. يمكن أن يؤدي اتفاق منطقة التجارة الحرة القارية -باعتباره واحدا من بين 12 برنامجا رئيسيا في إطار جدول أعمال الاتحاد الإفريقي لعام 2063- إلى مضاعفة التجارة البينية الإفريقية وتحقيق منافع هائلة للقارة. لكن الكثير سيعتمد على الشكل النهائي للاتفاقية.
ومن الناحية الإيجابية، سيشمل اتفاق منطقة التجارة الحرة القارية التجارة في الخدمات، والتي تسهم بالفعل بأكثر من 50% من إجمالي الناتج المحلي للبلدان الإفريقية. تشير مجموعة كبيرة من الأبحاث إلى أن الخدمات ستوفر طرقا جديدة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية لإفريقيا. وفي كتابهما الأخير «إمكانيات التجارة غير المستكشفة في الخدمات» في إفريقيا، تُدلي نورا ديهيل وأرتي جروفر جوسواني من البنك الدولي ببيانات تشير إلى أن الخدمات لديها القدرة على توفير العمال والمداخيل التي تشتد حاجة الناس إليها في جميع أنحاء القارة. وتعتبر صناعات الخدمات مثل الاتصالات والنقل والخدمات المصرفية والتأمين والطاقة والتعليم والخدمات الصحية من الدوافع الرئيسية للتنمية، بينما تُظهر كل من السياحة والبناء حاليا إمكانيات نمو عالية. بالإضافة إلى ذلك، تعتبر الخدمات السبيل الوحيد لكسب لقمة العيش بالنسبة لكثير من العمال الشباب. ومع ظهور العديد من الجامعات التجارية -حيث تنتج أعمال الدورة الدراسية والأطروحات مقترحات الأعمال بدلاً من مجرد الحصول على درجات علمية- ستصبح أسواق الخدمات الحيوية أكثر ضرورة من أي وقت مضى.
ومع ذلك، تحذّر ديهيل وجوسواني أيضا من وجود «عقبات تنظيمية». وسيتعيّن على صانعي السياسة الأفارقة تجاوز الإطار الأولي الذي تم الاتفاق عليه بالفعل بموجب اتفاق منطقة التجارة الحرة القارية، لتحديد القطاعات التي يمكن إدخالها في سوق خدمات أوسع وأكثر تكاملاً. كما ستكون هناك حاجة لإطار شامل من أجل تحديد شروط وأوضاع التجارة والاستثمار في قطاعات محددة، وكذلك لجذب الاستثمار.
عند اختيار القطاعات التي سيتم الترويج لها، يجب أن يكون التركيز على البنية الأساسية والمناطق التي التزمت فيها الدول بالفعل بالوصول إلى الأسواق من خلال منظمة التجارة العالمية. وهذا يعني أنه ينبغي على القادة السياسيين التركيز على الاتصالات والسياحة والبنوك والنقل والطاقة، يليها التعليم والصحة وبناء الخدمات. ويتمثل أحد التطوّرات الإيجابية في وقت سابق من هذا العام في إنشاء الاتحاد الإفريقي السوق الإفريقية الموحّدة للنقل الجوي، والذي يمثل 23 دولة و70% من حركة النقل الجوي في إفريقيا.
أما فيما يتعلق بالتجارة في السلع، فإن الهدف الرئيسي لمنطقة التجارة الحرة القارية هو فتح الأسواق من خلال تخفيض عام في الرسوم الجمركية. ولكن قبل ذلك، يتعيّن على البلدان الإفريقية أن توافق على جدول زمني مشترك لخفض حواجز الاستيراد. وهذا يتطلب مفاوضات معقدة محتملة بين أصحاب المصلحة. ولتسهيل هذه المسألة، سيكون من المهم الحفاظ على الحد الأدنى لعدد الأطراف المتفاوضة، ربما عن طريق تشكيل تجمعات قطرية. ومن الضروري أيضا وضع إطار زمني مقرّب إلى حد معقول للمفاوضات، لكي لا تتعثر المحادثات.
وإلى جانب التخفيضات الجمركية العامة، سيتعيّن على القادة السياسيين تصنيف منتجات حساسة ومستبعدة بطريقة تعزز سلاسل القيمة الإقليمية، بما في ذلك التصنيع الزراعي والكيميائيات والسيارات، وكذلك في مدخلات الخدمات كالخدمات اللوجستية التي تمثل ما يصل إلى 60% من قيمة المنتجات النهائية. يجب أن يفرض صانعو السياسات أيضا الحد الأقصى لقيمة الواردات التي يمكن استبعادها. وبشكل عام، تضم التجارة الإفريقية بالفعل عددا صغيرا نسبيا من خطوط الإنتاج، مما يعني أنه إذا تم استبعاد معظم المنتجات الأكثر تداولا، فسوف تعاني التجارة البينية الإفريقية، وستصبح منطقة التجارة الحرة القارية بالكامل غير مُجدية.
رغم أن التجارة في ظل نظام منطقة التجارة الحرة القارية لن تبدأ إلا بعد وجود قواعد المنشأ الأصلية، فقد وافق المشاركون على الأقل على اتباع معايير مُعترف بها من قِبل منظمة الجمارك العالمية لتحديد «إضافة القيمة» و«المحتوى المادي» و«التحوّل الأساسي» وما إذا كانت البضائع «تم الحصول عليها كليا».
ومع ذلك، فإن وضع قواعد محددة لنحو 6000 منتج قد يستغرق عدة سنوات (أكثر من 27 سنة لمنظمة التجارة العالمية). ولتسريع منطقة التجارة الحرة القارية، يمكن للبلدان الإفريقية أن توافق على حد أدنى يشكل من 20 إلى 40% للقيمة المضافة، ومن 60 إلى 80% كحد أقصى للمواد غير الأصلية. وفي الوقت نفسه، يمكن أن يستمر العمل على تحديد التحوّل الجوهري والقواعد الأخرى الخاصة بالمنتج، وإن كان ذلك مع إطار زمني محدد.
يجب أن يكون أحد الأهداف الرئيسية لتطوير قواعد منطقة التجارة الحرة القارية الخاصة بالمنتج هو تشجيع إنتاج وتجارة المدخلات والمنتجات الوسيطة الأخرى داخل إفريقيا. يجب أن تكرّس منطقة التجارة الحرة القارية مبدأ «صُنعَ في إفريقيا»، حتى مع اعترافها بأن بعض المدخلات ستأتي بالضرورة من الخارج.
ويعتبر إطلاق اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية خطوة رئيسية في إفريقيا. هذه المنطقة ستحوّل الجغرافيا الاقتصادية للقارة، بالإضافة إلى تغيير الخطاب المتوقع. ينبغي على القادة الأفارقة أن ينتهزوا الفرصة لإرسال رسالة واضحة إلى بقية العالم مفادها أن إفريقيا مستعدة للتحوّل الاجتماعي والاقتصادي.
مدير التجارة والجمارك والشؤون النقدية في السوق المشتركة لإفريقيا الشرقية والجنوبية