انتخابات إيطاليا

مقالات رأي و تحليلات الأحد ٢٥/مارس/٢٠١٨ ٠٤:٥١ ص
انتخابات إيطاليا

لوكرزيا رايكلين

ينبغي للانتخابات التي شهدتها إيطاليا مؤخرا -حيث رَفَض الناخبون الأحزاب التقليدية لصالح الحركات المناهضة للمؤسسة والأحزاب اليمينية المتطرفة، والذي أفضى إلى برلمان معلق- أن تعمل عمل ناقوس الخطر في أوروبا. الواقع أن المشروع الذي استغرق عقودا من الزمن لبناء الوحدة الأوروبية قد لا يكون أقل قوة مما كان مفترضا فحسب، بل وربما لا يكون قابلا حتى للحياة إذا لم يخضع لإعادة النظر بعمق.

الآن يواجه الاتحاد الأوروبي والاتحاد الاقتصادي والنقدي بشكل خاص تحديا سياسيا بالغ الخطورة، والذي تجسّد في انتخابات إيطاليا الأخيرة. فهل تكون المؤسسات الأوروبية قوية بالقدر الكافي للتصدي لهذا التحدي، أو يتعيّن علينا أن نُعيد النظر في -وربما نُعيد صياغة- الركائز التي يستند إليها التعاون الأوروبي.

الواقع أن الارتباط بين الأزمات الاقتصادية والسياسية واضح ومعروف جيّدا. فبين دول الاتحاد الأوروبي، شهدت إيطاليا ثاني أكبر انخفاض في الناتج (بعد اليونان) خلال العقد الفائت -وهو الاتجاه الذي تسبّب في إحداث تدهور كبير في الرفاهة الاقتصادية. وكما تشير أبحاث حديثة فإن ارتباط تراجع الرفاهة بالدعم السياسي الذي يحظى به الشعبويون أقوى من ارتباط المستوى المطلق للرفاهة بهذا الدعم.
وعلى هذا، يكاد يكون من المحتم أن تفضي الأزمات الاقتصادية إلى تقويض الاستقرار السياسي. لكن الخطر شديد بشكل خاص في الاتحاد الأوروبي، لأن القوى السياسية الشعبوية من المرجح إذا فازت بالسلطة أن ترفض، باسم السيادة الوطنية، القواعد فوق الوطنية التي تشكّل الأساس الذي تقوم عليه المؤسسات الأوروبية.
والملجأ الوحيد أمام الاتحاد الأوروبي في مواجهة عدم الامتثال على هذا النحو هو العقوبات -وهو حل مؤقت ولا يكفي لإبقاء الحكومات التي أقامت برامجها السياسية على عدم قبول قواعد الاتحاد الأوروبي المشتركة تحت السيطرة. والواقع أن مثل هذه العقوبات ربما تعمل حتى على تعزيز الدعم الشعبي للشعبويين. وتتجلى هذه الديناميكية في الخلاف الحالي حول الهجرة بين الاتحاد الأوروبي وبعض دوله الأعضاء في الشرق، مثل المجر وبولندا.
وتعمل الفوارق الإقليمية، مثل تلك التي تجلت بشكل صارخ في انتخابات إيطاليا الأخيرة، على زيادة الأمور تعقيدا على تعقيد للاتحاد الأوروبي. ففي حين كان أداء الأحزاب السياسية المناهضة للمؤسسة قويا في مختلف أنحاء إيطاليا، وهو ما يعكس الإحباط واسع النطاق من الأحزاب الرئيسية، فإن الأمر لم يخلُ أيضا من انقسام واضح بين الشمال والجنوب.
فقد فضّل الشمال الصناعي في إيطاليا حزب رابطة الشمال اليميني المتطرّف، الذي يحابي التخفيضات الضريبية ويعارض الهجرة. وفي المقابل، صوّتت المناطق الجنوبية المحرومة اقتصاديا في إيطاليا -حيث بلغ معدل الباحثين عن عمل في بعض المناطق ما يقرب من 60%- بأغلبية ساحقة لصالح حركة النجوم الخمسة، والتي تدعو إلى دخل أساسي مضمون وتدين فساد النخب المحلية.
ولا تقتصر أوجه التفاوت بين الناس على المستوى الإقليمي على إيطاليا. بل على العكس من ذلك، اتسعت فجوة التفاوت في مختلف أنحاء الاتحاد الأوروبي منذ ثمانينيات القرن العشرين. والاتحاد الأوروبي لديه ميزانية لتضييق هذه الفجوة، والتي يستخدمها لدعم سياسات التماسك. ولكن في حين كانت تدابير تشجيع التقارب الاقتصادي ناجحة في العديد من المناطق، فإنها فشلت في مناطق أخرى، مثل جنوب إيطاليا، وتحديدا بسبب الضعف المؤسسي والفساد المستشري الذي يشجبه الشعبويون.
وكما يعرف أي شخص لديه خبرة في سياسات التنمية، فإن التحويلات المالية لا يمكنها توليد نمو التقارب، ما لم تدعمها تغيّرات مجتمعية عميقة -ويتطلب هذا قيادة محلية نشطة. ومن المهم إذن أن يلقي الإيطاليون بكل ثقلهم في دعم أولئك الذين انتقدوا إساءة استخدام السلطة من قِبَل النخب المحلية والأحزاب التقليدية، بدلا من الاعتقاد بأن تلك النخب المحلية، ناهيك عن الاتحاد الأوروبي البعيد، قادرة على حل المشكلة.
قد يبدو أن هذا يعني ضمنا أن الاتحاد الأوروبي في احتياج إلى التمكّن من فرض شروط أكثر تساهلا للتعاون، بما في ذلك فوائد أقل من العضوية. ولكن في حين قد ينجح هذا في المجر على سبيل المثال، فإنه غير وارد في نظر دولة تنتمي إلى عضوية الاتحاد الاقتصادي والنقدي مثل إيطاليا. وفي كل الأحوال، إذا كان للاتحاد الأوروبي أن يظل قائما لفترة كافية لتنفيذ الإصلاحات المؤسسية اللازمة، فيتعيّن عليه أن يعمل على إيجاد السبل الكفيلة لجعل المشروع أكثر جاذبية في نظر الجميع.

مديرة الأبحاث في البنك المركزي الأوروبي سابقا