
عزيزة راشد
تتجمهر الساعات في برد الرستاق، يمضي الوقت مبتلا بالأشواق، على بعد ناصية من الحلم يسري الماء في السواقي رقراقا، في سمائها تحدق الشمس مذهولة بالجمال ترقب طيرا لها يشتاق، في الرستاق يظل السر مدفونا بين الحنايا والأحداق، يلملم الليل ما بقى من قصائده في الأوراق، ليصنع فجرا آخر لكل العشاق.
حناجر النخيل مدسوسة بالظلام، تحت سعفها العاشق لا ينام، تصنع من الليل أغنية ومن الذهب أحلاما، تعلق الساعات في وقتها المتهدل كالأعلام، تطوي ما بقى من نهار شاغب وليل مستكين وأيام، تخبئ في بيوت الأئمة الأقلام، يمسك الراية ويهتف: أنا الإمام، لا للغزاة، لا للانهزام.
يغيب القمر متعثرا برائحة عشب خطاه الغزاة، يخرج الإمام ناصر من بيته صانعا الأباة، يضج الكون أما الموت أو الحياة، ويمضي ضباب العناءات، يستيقظ من السبات، بينما الإمام عازم على لم الشتات.
تسري مياه سواقي الفلج على الحقول الخضراء، يزهر الياسمين والزعتر والورد، سقف النهار مائل بالظلال ومروج الرستاق ورسائل الطفولة وحكايات لا تحكى، ترتبك الأزقة بضحكات الأطفال، تستيقظ عرائش الياسمين على حكايات المجد والبطولة والعلم، تطل شرفات الطين على نهار العلماء ووقار الأجلاء وبراءة الأحلام، يتلبد الورق بين تجاعيد أصابعهم، علم لو تعلمون عظيم، وتسري مياه عين الكسفة مع ليل الساحر، تصنع ساعة للحلم، يتكور البدر ويشرق في سموات الخضرة، أراقب مجد الرستاق كنافذة، والأشجار باسقات ساطعات تحت ظلال ألماس الشمس، شغب الذاكرة يلهو ويتمرد بين السواقي وكتب الشعر وحكمة الأئمة، يركد الصمت الممزوج بالذكريات، أقف أمام القبر كعلامة تعجب، أيها الإمام: أعطني سرك وقوتك وشجاعتك!!
يصنع الحقل حبره ويغرق في الكتب، تكتب الكلمات أسطر المجلدات الباذخة بالحلم والحكايات لأئمة الرستاق، أجلس ببرودة السكون كحائط بيت الإمام الحزين، منذ وقت طويل لم يمر أحد من هنا ليجدد باب بيت الإمام، ذكراه مهجورة وبيته مظلم، ظهيرة الصيف تحنو بظلالها على بيته، ويبقى الباب في خشوع الحزن وحيدا متهالكا تجثو على ظهره مئات من سنين القحط والانتظار.
يسري العطر في مياه عين الكسفة إلى حقول المحبة في الرستاق، ينام على سواقي الطيبين، وعجوز تحكي قصصا من خيال السحرة، تهبط دموعها من علو شاهق في القلب، وسادة الغياب باردة وفكرها خارطة من المتاهات، تنزوي العجوز وحيدة كشجرة لم يمر عليها الرواء، ملتحفة بالسماوات، وخزائن سنواتها حبلى بالحكايات، أيها الإمام: على روحك السلام.