
علي ناجي الرعوي
ما يحصل من فوضى وحروب وصراعات وانهيارات وتفتت في المنطقة العربية يجسد إلى حد كبير التجلي السياسي لظاهرة (الثقب الأسود) التي تبتلع علاوة على الضوء الزمن كمنطقة تختل فيها الأبعاد الأربعة من الطول والعرض والارتفاع والانخفاض كما يقول عنها العالم الفلكي الفيزيائي البارز ستيف هوكينج.. وبين نظرية هوكينج وفرضيته عن الثقب الأسود وبين التوصيف الذي ورد في تقرير لإحدى المنظمات الدولية بشأن المشهد المضطرب والمرتبك في المنطقة العربية والذي يشبه احتمالية الفوضى التي قد تحدث عن نظرية (الثقب الأسود) وهو ما سيكون له تأثير كبير عن المنطقة كلها إذ أن جذور هذه الأعراض هي من قد تلقي بالمزيد من الغموض على المستقبل العربي هذا إن لم تؤد إلى إجهاض أى إمكانية لنهوض عربي قادم ولو حتى بعد عقود.
وبصرف النظر عن الصورة التي رسمها ذلك التقرير عن المستقبل العربي والسيناريوهات التي ينتهي إليها والتحولات المدوية والتي يعتقد من أنها قد تتخذ أشكالاً عدة تفضي إلى تقسيم دول وانهيار أخرى وظهور نسيج جديد من الكيانات العربية القزمية تضع المنطقة على حافة حروب يتم تحريكها مثل أحجار الدومينو ما إن يسقط حجر حتى تتساقط الأحجار الأخرى ولعل ما يفهم من هذا الطرح بالغ القسوة والسوداوية هو أن طبخة التقسيم وإعادة تشكيل خارطة المنطقة قد نضجت وأن كرة النار بدأت تتدحرج هنا وهناك من انفصال جنوب السودان إلى استفتاء كردستان العراق لفك الارتباط عن بغداد مروراً بالحجج التي يطرحها أكراد سوريا المطالبون بالحكم الذاتي والدعوات المرفوعة في جنوب اليمن المناهضة للوحدة مع الشمال وصولاً إلى النوازع الانفصالية التي تتنامى في طرابلس الغرب بليبيا وبرقة في الشرق وفزان في الجنوب.
قد يكون من باب المفارقة أنه وكلما ازداد الحديث عن مقولات الانقسام والانفصال وتقرير المصير والاستفتاء الشعبي كلما انسدت فرضيات التعايش المشترك وضعفت ثقافة المواطنة ويبدو أن الوطن العربي لم يتعلم من تغريبة جنوب السودان ومن تراجيديا الهويات الثانوية في العراق والذي تحول إلى دولة لاحتراب المذاهب والأعراق بحيث صار لكل طائفة أعلامها وكل عشيرة قناتها الفضائية، ولكل مرجعية شبه جيش ومليشيات تنافح من أجل فرض هيمنته على الآخر ومما لا شك فيه أن هذه التطورات لم تحدث صدفة أو كانت وليدة اللحظة وإنما جاءت نتيجة ترجمة عملية لسياسات قوى إقليمية ودولية تسعى إلى استغلال بعض الصراعات المنفلتة الناتجة عن العصبيات الأثنية والعرقية والطائفية والجهوية لتطويع المنطقة وتقسيم دولها وعلى هذا الأساس وجدنا أن قرار الاستفتاء الذي اتخذته قيادة إقليم كردستان العراق من جانب واحد لم يكن قراراً كردياً خاصاً بمقدار كونه قراراً خارجياً هدف إلى طعن وحدة العراق وتمزيقه، واعتماده نموذجا يحتذى في تقسيم باقي دول المنطقة، وذلك ما استشعرته بغداد واتجهت إلى كبحه عن طريق السيطرة على كركوك بنفطها ومؤسساتها وبنيتها الأساسية ومن السذاجة إنكار حقيقة أن هناك أطرافاً دولية باتت تعتبر المنطقة العربية كلها مناطق متنازع عليها وبالتالي فهي من تعمل على فرض تدخلاتها في هذه المنطقة في إطار رويتها لمصالحها القومية.
صحيح أن دول (الثقب الأسود) العربية قد فشلت على كل المستويات في إقامة عقد اجتماعي يتجاوز حقيقة الطائفية السياسية والاجتماعية وفشلت أن تكون وطنا نهائيا لجميع أبنائها مما جعل المسافة بينها وبين المواطن (فراغاً) وصحيح أيضا أن جزءاً كبيراً من خطورة الحالة الراهنة في تلك الدول أنها من تجد نفسها اليوم بعد انهيار الأساسات التي قامت عليها معلقة في ذلك الفراغ لتتقاذفها العواصف والهزات والحروب القبلية والعشائرية والمذهبية والجهوية بل أن الأسوأ من ذلك يتمثل في صيرورة التدمير الذاتي الى درجة أن المراقب ليصاب بالذهول وهو يرى الساسة فيها هم أنفسهم من يتأمرون على أى توجه من شأنه التمهيد لمقومات أي انبعاث ينتشل أوطانهم من ذلك القاع الاسن ولأن هؤلاء الساسة لم يتفقوا حتى على كتاب للتاريخ يعلموه لأولادهم فكيف لهم أن يتفقوا على حماية أوطانهم مما يتهددها من حروب وتفتت وضياع؟.
ما يثير السخرية أن (الثقب الأسود) الذي يعشعش الآن في المنطقة العربية هو من تختفي وراءه – أو تظهر – مصالح وإرادات وسياسات دولية وإقليمية تراهن على تفكيك الدول القطرية العربية، ومثل هذا التوجه لابد وأنه من يترجم نفسه في المحاولات المشبوهة لقلب المعادلة في هذه المنطقة رأسا على عقب عن طريق منحى التقسيم الديني والمذهبي والجهوي الذي يعزز من النزعات الانفصالية في الجغرافيا العربية ويشعل فيها الحرائق وكل المظاهر الصانعة للموت والعنف والكوابيس المرعبة.
وفي مثل هذه الظروف ليس غريبا أن يصبح العديد من المسؤولين العرب مجرد محللين سياسيين في هذه الدراما من الفوضى التي حولت المنطقة العربية إلى ثقب أسود تعمه حروب ظاهرة وكامنة وصراعات متحركة ومتغيرة تهدد بكارثة ستعيد المواطن العربي إلى العصر الحجري.
كاتب يمني