
باولا سوباتشي
في فيلم الخيال العلمي السوداوي «بليد رانر 2049»، تبدو مدينة لوس أنجلوس بعد 32 عاما من الآن أشبه كثيرا بالمدن الكبرى في الصين اليوم: رمادية، وملوثة، وتغلُب عليها أبراج شاهقة مزينة بإعلانات النيون الوامضة. لا تُنبئنا أحداث الفيلم بالكثير عن ما يجري في العالَم الخارجي، ناهيك عن العملة التي يتداول بها الناس السلع المعلن عنها. هل لا يزال الدولار الأمريكي مهيمنا، أو هل استولى الرنمينبي على مكانة الدولار، أو هل ارتفعت أي عملة أخرى إلى الصدارة العالمية؟ يبدو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عازما على ضمان تراجع أمريكا، جزئيا على الأقل، عن دورها القيادي العالمي. ولكن كما كانت الحال مع الجنيه البريطاني في فترة ما بين الحربين، تستطيع العملة أن تظل مهيمنة عالميا حتى بعد أن تفقد الدولة المصدرة لها هيمنتها الاقتصادية، والمالية، والجيوسياسية. واليوم أيضا ينبغي للعالم أن يتوقع أن يظل الدولار الأمريكي العملة الاحتياطية الرئيسية المستخدمة في أعداد فواتير وتسويات التجارة الدولية لفترة طويلة مقبلة. ولكن عندما يتعلق الأمر بالدبلوماسية المالية الدولية، فقد لا يظل موقف الدولار على نفس القدر من الأمان. والسؤال هو ما إذا كانت نهاية «دبلوماسية الدولار»، التي يتوقعها رجل الاقتصاد باري آيكنجرين تعني بالضرورة صعود دبلوماسية الرنمينبي. كان صناع السياسات في الصين يأملون في تطوير الدور الذي يلعبه الرنمينبي في التمويل الدولي، من أجل تعزيز مكانة الصين الجيوسياسية، منذ تسعينيات القرن العشرين. وفي السنوات الأخيرة، قاد المسؤولون في الصين جهودا متضافرة لتحقيق هذا الطموح، وخاصة من خلال تدويل العملة الصينية.
ومع ذلك، لم يقترب التمويل المقوم بالرنمينبي حتى من الاستعداد للتنافس مع ــ ناهيك عن مزاحمة ــ التمويل المقوم بالدولار. الواقع أن الرنمينبي لا يزال متأخرا خلف العملات الاحتياطية الأخرى (الدولار الأمريكي، واليورو، والين الياباني، والجنيه البريطاني) في عالَم التمويل الدولي بشوط كبير، حتى أن العمل بنظام نقدي دولي يقوده الرنمينبي بحلول منتصف هذا القرن يبدو احتمالا بعيدا بُعد العالَم الفاسد الذي يصوره فيلم بليد رانر 2049. أحد الأسباب وراء استمرار ضعف الرنمينبي في التمويل الدولي هو أنه يظل عملة دولية نصف ناضجة، على الرغم من التقدم الكبير الذي أحرزه منذ العام 2010. والرنمينبي غير سائل وغير قابل للتحويل خارج أسواق بعينها في الخارج. ونتيجة لهذا، يظل وزنه في محافظ المستثمرين الدوليين ضئيلا. وحتى الصين ذاتها لا تستخدم الرنمينبي إلا في ربع تجارتها الدولية، ولا يزال تمويلها الدولي مقوما بالدولار. والشركات الصينية الكبرى ــ مثل علي بابا، وبايدو، وتينسينت ــ مدرجة في نيويورك أو هونج كونج، حيث يجري تسعيرها إما بالدولار الأميركي أو دولار هونج كونج. وأغلب قروض الصين واستثماراتها السريعة التوسع في الخارج مقومة بالدولار. بيد أن السبب الأكثر إقناعا وراء عدم ترجيح ظهور نظام تمويل دولي يهيمن عليه الرنمينبي في أي وقت قريب هو أن قادة الصين لم يُظهِروا قَط أي التزام مستمر بتطوير الرنمينبي كبديل حقيقي للدولار. بل كانوا يلاحقون بدلا من ذلك نهجا تعاونيا لإصلاح النظام النقدي الدولي، والذي يزعمون أنه لا ينبغي أن يعتمد على أي عملة منفردة. يرى الصينيون أن مستقبل النظام النقدي الدولي لابد أن يقوم على توفر عملات وطنية متعددة تسمح بالاختيار ــ وبالتالي تقليل تعرض النظام للسياسات الوطنية. وعلاوة على ذلك، مع تزايد عدد البنوك المركزية الحريصة على توفير السيولة، والمراكز المالية الدولية التي تعرض مجمعات من هذه السيولة، فإن مثل هذا النظام ينطوي على قدر أقل من مخاطر نشوء الأزمات النقدية. وبالفعل، كانت الصين تقوم بتجربة تطوير أسواق الرنمينبي في الخارج في مراكز مالية رئيسية، كوسيلة للتغلب على سيولة عملتها المحدودة. غير أن بناء مثل هذا النظام المتعدد العملات يتطلب أن يتعهد العالم إصلاحات بعيدة المدى للمؤسسات الدولية. وكانت هذه هي النقطة على وجه التحديد التي أثارها تشو شياو تشوان محافظ بنك الشعب الصيني في خطاب ألقاه العام 2009 تحدى فيه الرأي القائل بأن الولايات المتحدة وحدها القادرة على ضمان عمل النظام النقدي الدولي من خلال الدولار. وكما أشار تشو، فإن الهيمنة النقدية التي يتمتع بها الدولار الأمريكي تقوم على مؤسسات بريتون وودز، التي أنشئت بعد الحرب العالمية الثانية. وبالتالي فإن إصلاح النظام النقدي الدولي يعني إصلاح إدارة المؤسسات المالية المتعددة الأطراف ــ وهي الحجة التي أكدت عليها الصين خلال رئاستها لمجموعة العشرين العام المنصرم. مع انسحاب الولايات المتحدة من الساحة العالمية، ونشوء نظام عالمي متعدد الأطراف، قد يتحول النظام النقدي الدولي ــ ولكن ليس إلى نظام يقوده الرنمينبي في الأرجح. وسواء كان ذلك بسبب الضعف المتأصل في التمويل الدولي الصيني أو الفهم السائد بأن العملة الدولية الحقيقية لابد أن تكون أكثر انقيادا للسوق من الرنمينبي الذي تسيطر عليه الحكومة، فإن حتى الصين لا تتوقع قدوم عصر دبلوماسية الرنمينبي في أي وقت قريب.
مديرة الأبحاث في الاقتصاد الدولي في تشاثام هاوس،
وأستاذة الاقتصاد في جامعة بولونيا.