آسيت ك. بيسواس - كريس هارتلي
لقد أصدرت مؤسسة بيل وميليندا جيتس في الشهر الفائت تقريراً عن التقدم الذي تم إحرازه في تحقيق أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة علما أن البيانات التي كان من المفترض أن الهدف منها هو إبراز الجهود الرامية إلى القضاء على الفقر المدقع والحد من معدل الوفيات المبكرة كانت تهدف كذلك للمداهنة حيث خلص التقرير الى إن باستطاعة البلدان أن تفعل المزيد للتصدي للتحديات الإنمائية العالمية التي يواجهها الكوكب بشكل جماعي.
ولم يتم تحديد أي بلد في تقرير جيتس لديه القدرة على استعادة «التزام العالم بالتنمية» بل يتحمل «القادة في كل مكان» مسؤولية ضمان تحقيق أهداف التنمية المستدامة بحلول العام 2030 ولكننا نعتقد أن هناك بلد واحد يمكنه القيام بهذا الالتزام أكثر من غيره لبناء العالم طبقا لتصورات أهداف التنمية المستدامة وهذا البلد هو الصين.
لقد انقضى عامين منذ انطلاقة برنامج أهداف التنمية المستدامة واليوم تقف التنمية الدولية على مفترق الطرق حيث تراجعت الولايات المتحدة والتي كانت لفترة طويلة تحمل شعلة تقديم المساعدات الخارجية و تراجعت كذلك أوروبا (وإن كان بدرجة أقل) ولكن الصين مع طموحاتها العالمية الجديدة لديها فرصة لإعادة تنشيط مفهوم وتقديم المساعدات الإنسانية.
وضعت أهداف التنمية المستدامة التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 2015 رؤية للتنمية العالمية والتي تستهدف الفقر والتعليم و الصحة العامة وعدم المساواة والاستدامة والإجراءات المناخية على مدى السنوات الـ 15 المقبلة وهي تقدم رؤية واسعة للتنمية تعالج فيها القضايا التي كان ينظر إليها على أنها تخص بلدان معينة باعتبارها تحديات يواجهها العالم بأسره وعلى النقيض من ذلك، فإن الأهداف الإنمائية للألفية التي انتهت في العام 2015 كانت فيها نسبة التركيز أكبر وكانت تستهدف في المقام الأول القضايا التي تمس البلدان الفقيرة.
ولكن دراسة جيتس تشير إلى أن بعض أهداف التنمية المستدامة معرضة بالفعل للخطر فعلى سبيل المثال، من غير المحتمل تحقيق الهدف الصحي (الهدف 3 من أهداف التنمية المستدامة) الذي يتضمن هدفاً للقضاء على الوفيات التي يمكن الوقاية منها بين المواليد والأطفال في الإطار الزمني المخصص ففي الوقت الحالي، لن يتحقق خفض الوفيات في جنوب آسيا وأفريقيا حتى منتصف القرن.
ومن الواضح أن هناك حاجة إلى المزيد من الاستثمارات على الصعيد العالمي في أنواع التدخلات التي أثبتت فعاليتها محلياً وقد ثبت أن برنامج العاملين في مجال الإرشاد الصحي في إثيوبيا و برنامج مساعد مراقبة الصحة في ملاوي يخفضان من معدل وفيات الأطفال وينبغي تخصيص أموال المعونة لمساعدة برامج من هذا القبيل على التوسع في مناطق أخرى.
إن ما يحصل حالياً هو عكس ذلك تماماً حيث إن الانعزالية المتزايدة المرتبطة بردة الفعل الشعبوية في جميع أنحاء العالم لها عواقب وخيمة على المساعدات الخارجية ووفقا لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية فلقد انخفضت المعونة الثنائية المقدمة إلى أقل البلدان نمواً في العالم بنسبة 4%تقريبا في عام 2016 وهذا الانخفاض مثير للقلق بالنسبة لهذه البلدان نظرا إلى أن المساعدة الإنمائية الرسمية تمثل أكثر من ثلثي المعونة التي تتلقاها.
تقود الولايات المتحدة التي لا تزال أكبر جهة مانحة في العالم لبرامج التغذية ومبادرات صحة الأم والطفل هذا التراجع في التمويل حيث يتضمن اقتراح ميزانية الرئيس دونالد ترامب لعام 2017 انخفاضا كبيرا يصل الى نسبة 45%فيما يتعلق بالتمويل من قبل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية لمشاريع المياه والصرف الصحي و خفض بنسبة 26%للتمويل الصحي العالمي وإنهاء اي تمويل لبرامج تنظيم الأسرة وبينما لم يتضح بعد ما إذا كان الكونجرس سيدعم طلب ميزانية ترامب التي ستتضمن مليارات الدولارات من المساعدات المفقودة، إلا أن أي انخفاض في المساعدات الأمريكية وحتى لو كان بسيطا سوف يضر بالعديد من أفقر دول العالم.
إن الولايات المتحدة ليست الدولة الوحيدة التي تعمل على تخفيض المساعدات الخارجية حيث يقترح مشروع ميزانية الاتحاد الأوروبي لعام 2018 خفض الإنفاق على التنمية بمقدار 90 مليون يورو (106 ملايين دولار) في حين أن كل من النمسا وألمانيا وإيطاليا قد حولت ميزانيات المساعدة الإنمائية نحو أزمات الهجرة التي ينظر إليها على أنها تهديدات أمنية وطنية وشيكة وهذه التوجهات تعتبر مقلقة لأن الأعمال الخيرية الخاصة لا يمكن أن تحل محل المساعدات التي تسحبها الحكومات.
إن العالم يحتاج إلى بطل جديد للتنمية الدولية و ينبغي أن تتولى الصين هذا الدور ومع ضعف التزامات المساعدة الإنمائية الرسمية من المانحين التقليديين فإن لدى الصين فرصة للقيادة في التنمية البشرية والتخفيف من وطأة الفقر والإنفاق على الصحة العامة.
صحيح أن نموذج المساعدات في الصين يختلف عن نموذج الغرب وقد ركزت أوروبا والولايات المتحدة تاريخياً على تمويل مبادرات الرعاية الصحية والتعليم مع تشجيع نمو ومشاركة المجتمع المدني ومن ناحية أخرى، تمنح الصين المعونة على أساس ثنائي ويستهدف عادة تمويلها مشاريع البنية الأساسية ولكن القادة الصينيين أبدوا مؤخراً اهتماماً بالمساعدات التي تهدف لتعزيز المجتمع المدني وتحسين سبل العيش.
وعلى الرغم من أن المساعدة الإنمائية الرسمية الصينية لا تزال تشكل جزءاً صغيراً مما تنفقه بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فقد أشارت الصين إلى اهتمامها بأن تصبح رائدة في مجال التنمية ولا سيما في قطاع الصحة ولقد تعهدت الصين في قمة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة لعام 2015 في نيويورك بتقديم بليون دولار للمساعدة في تنفيذ أجندة التنمية المستدامة و تشمل مبادرة «الحزام والطريق» الرئيسية في الصين التعاون الصحي كجزء من إستراتيجيتها المقترحة و قد إلتزمت الصين أيضاً في العام 2014 بمبلغ 47 مليون دولار للمساعدة في احتواء تفشي مرض فيروس الإيبولا في غرب أفريقيا وفي حين أن ذلك كان أقل بكثير من التعهد الذي قدمته الولايات المتحدة والذي وصل لمبلغ 1.8 بليون دولار إلا أن الصين كانت من بين أسرع البلدان في الوفاء بالتزاماتها.
إن نفوذ الصين الجيوسياسي والاقتصادي آخذ في الازدياد وهذا يجب أن يؤدي إلى زيادة دورها في تعزيز السلام والتنمية العالميين ولا شك من أن الشكوك حول نوايا التنمية الصينية سوف تظهر نظراً للاختلافات السياسية والإيديولوجية بين الصين والغرب، ولكن يمكن لهذه الشكوك أن تسفر عن نتائج إيجابية خاصة إذا دفعت تلك الشكوك بالقوى الغربية إلى إعادة تقييم التراجع في مساعداتها الخارجية.
وحتى لو لم تفعل ذلك، فإن الصين لديها الأدوات اللازمة من أجل أن تتبوأ دورا قياديا في التنمية الدولية فبعد أن انتشلت حوالي 470 مليون مواطناً من سكانها من براثن الفقر المدقع بين عامي 1990 و 2005 فلقد أصبح لديها الخبرة ولكن أكثر من أي شيء آخر فإن الصين لديها الآن الفرصة السياسية و مع تحول الولايات المتحدة وأوروبا إلى الداخل، فإن ضمان نجاح أهداف التنمية المستدامة سوف يعتمد بشكل متزايد على تشجيع القيادة الصينية والاعتياد على تلك القيادة.
أسيت ك. بيسواس: أستاذ زائر في كلية لي كوان يو للسياسة العامة في الجامعة الوطنية في سنغافورة
كريس هارتلي: محاضر في السياسة العامة في جامعة ملبورن