التفاوت بين الحياة والموت

مقالات رأي و تحليلات الثلاثاء ١٧/أكتوبر/٢٠١٧ ٠٤:٤١ ص
التفاوت بين الحياة والموت

ثورفالدور جيلفاسون

مثلما يعيش البعض منا لفترة أطول من غيرهم فإن متوسط العمر المتوقع يختلف من بلد لآخر حيث تحتل سوازيلاند المرتبة الأخيرة طبقاً لهذا المقياس حيث إنها الدولة الوحيدة في العالم التي لا يمكن فيها توقع وصول حديثي الولادة إلى سن 50 عاماً بينما تحتل هونج كونج أفضل مرتبة طبقاً لهذا المقياس حيث يتوقع أن يعيش حديثو الولادة إلى سن 84 عاماً.

لقد تم تقسيم بلدان العالم في العام 1960 إلى مجموعتين استناداً إلى معدل الوفيات وكان متوسط العمر المتوقع للبلدان في المجموعة الأولى من 28 سنة في جمهورية مالي إلى أقل من 50 عاماً في جمهورية السلفادور بينما كانت تتمتع بلدان المجموعة الثانية والتي كان عدد سكانها أقل بكثير بمعدل أعلى لمتوسط العمر المتوقع والذي وصل لغاية 73 عاماً في النرويج وآيسلندا وهولندا والسويد.

لقد تجاوزت هونج كونج منذ ذلك الحين مجموعة دول أوروبا الشمالية كما حققت اليابان (84 عاماً) وإيطاليا (83 عاماً) وإسبانيا (83 عاماً) وسويسرا (83 عاماً) النتيجة نفسها واليوم يتوقع لشعب هونج كونج أن يعيش أطفالهم 17 عاماً أطول مما كان عليه الحال في العام 1960 ويتوقع أن يعيش المواليد اليابانيون 16 عاماً أطول ويتوقع أن يعيش الآيسلنديون حديثو الولادة عشر سنوات أطول.
ترجع معظم هذه الزيادة في متوسط العمر المتوقع في جميع أنحاء العالم إلى انخفاض معدل وفيات الأطفال وقد كانت الزيادة أكثر وضوحاً بالنسبة للنساء حيث تعيش النساء في المعدل لمدة ثلاث سنوات أطول من الرجال وفي آيسلندا، على سبيل المثال، يبلغ متوسط العمر المتوقع لكل من الرجال والنساء 81 و84 عاماً على التوالي.
ولكن يمكن لمتوسط العمر المتوقع أيضاً أن يتفاوت بشكل كبير داخل البلدان بين الأغنياء والفقراء ووفقاً لدراسة جديدة أجريت من قِبل اثنين من باحثي معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، يعيش أغنى 1%من الرجال الأمريكيين إلى ما يقرب من 15 عاماً أطول من أفقر 1%من الرجال الأمريكيين بينما يتوقع أن تعيش أغنى 1%من النساء الأمريكيات عشر سنوات أطول من نظيراتهن الأفقر من النساء الأمريكيات.

لقد اتسعت هذه الفجوة مع مرور الوقت ففي السنوات الـ15 الفائتة فقط ارتفع متوسط العمر المتوقع لأغنى 5%من الأمريكيين بمقدار سنتين للرجال وثلاث سنوات للنساء وارتفع متوسط العمر المتوقع خلال الفترة نفسها لأفقر 5%من الأمريكيين بمقدار ثلاثة أشهر فقط بالنسبة للرجال وبالكاد ارتفع بالنسبة للنساء.

وكما هو الحال في التقارير الأخيرة عن تدهور صحة العديد من الأمريكيين يبدو أن هذا الاختلاف في متوسط العمر المتوقع لا يعكس فقط عدم المساواة في الدخل والثروة بل أيضاً عدم المساواة في الحصول على الرعاية الصحية ومع ذلك يبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والجمهوريين في الكونجرس مصممون على حرمان 23 مليون أمريكي إضافي من التأمين الصحي من خلال إلغاء واستبدال قانون الرعاية الصحية التي يمكن تحمّل نفقاتها لعام 2010 وهو (أوباما كير).
ولو نجحوا في ذلك فإن متوسط العمر المتوقع في الولايات المتحدة من المرجح أن يستمر في الانخفاض مقارنة بالبلدان المتقدمة الأخرى وعلى سبيل المثال، فقد ارتفع متوسط العمر المتوقع بين عامي 1960 واليوم في الولايات المتحدة من 70 إلى 79 عاماً بينما ارتفع في إيطاليا من 69 إلى 83 عاماً وبينما عاش الأمريكي العادي سنة واحدة أطول من الإيطالي العادي سنة 1960 فإن الإيطالي العادي يعيش أربع سنوات أطول من الأمريكي العادي اليوم.
لقد ارتفع متوسط العمر المتوقع في الولايات المتحدة ببطء أكثر مقارنة بأوروبا ويرجع ذلك جزئياً إلى أن العديد من الأمريكيين البيض في منتصف العمر قد عاشوا منذ العام 1999 حياة أقصر بسبب الأمراض المرتبطة بنمط الحياة والجرعات الزائدة من المواد الأفيونية والانتحار، وفي واقع الأمر فإن الجرعات الزائدة من الأفيونيات وحدها منذ العام 1981 قد أودت بحياة نفس العدد تقريباً من الناس مقارنة بفيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز).
إن من النادر جداً لأي فئة كبيرة في المجتمع الحديث أن تعاني من هذا الانخفاض في متوسط العمر المتوقع بينما الفترة الوحيدة التي عانى فيها المجتمع من هذا الانخفاض في العقود الأخيرة كانت في روسيا بعد انهيار الشيوعية وفي أفريقيا بعد تفشي وباء فيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز).
إن ازدياد عدم المساواة ليس مجرد مسألة تتعلق بالدخل والثروة والسلطة فحسب بل هي حرفياً مسألة حياة وموت وقد يفسر ذلك كيف أصبحت مسألة انعدام المساواة على رأس الأجندة السياسية في الولايات المتحدة وأوروبا في السنوات الأخيرة، وقد أدان عضو مجلس الشيوخ لولاية فيرمونت بيرني ساندرز والذي يوصف بأنه اشتراكي في حملته الانتخابية للحصول على ترشيح الحزب الديمقراطي للرئاسة سنة 2016 تزايد انعدام المساواة في أمريكا وقد اقترب فعلاً من انتخابه رئيساً بخلاف ما توقعه الكثيرون. لقد حظي ترامب -مثل حملة الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي في المملكة المتحدة- بدعم العديد من الناخبين الذين شعروا بأنه قد تم التخلي عنهم.
ورغم تأسيس صندوق النقد الدولي في العام 1945 إلا أنه لم يبدأ إلا مؤخراً في إيلاء اهتمام كبير بتوزيع الدخل والثروة في البلدان الأعضاء فيه وبعد أن أدرك الصندوق الآن أنه يمكن لمسألة عدم المساواة أن تعوق النمو الاقتصادي، بدأ في مناقشة العلاقة بين عدم المساواة والنمو مع العديد من أعضائه.
لقد استخف بعض المراقبين بهذا النهج الجديد لصندوق النقد الدولي وقالوا إن الزيادة في انعدام المساواة تعكس ببساطة تصويت الناس ولكن أولئك الذين يدّعون أن عدم المساواة شيء مرغوب فيه هم أقرب إلى أولئك الذين يجادلون بأن البطالة دائماً طوعية كما يصر بعض الاقتصاديين.
وفي الواقع عندما تزداد حالة انعدام المساواة فإن الديمقراطية هي من تعاني جراء ذلك ولهذا فإن انخفاض ترتيب الولايات المتحدة في إحدى التصنيفات المهمة للدول الديمقراطية في العالم ليس بالأمر المفاجئ علماً أن معظم الناس لا يريدون أن يكونوا عاطلين عن العمل أو أن يتم التخلي عنهم أو أن تكون حياتهم قصيرة لكن الأمور تبدو كذلك فقط في أعين الذين يريدون التلاعب في خيارات الناخبين.

أستاذ الاقتصاد في جامعة آيسلندا