
محمد محمود عثمان *
تتزايد معدلات البطالة العربية يوماً بعد آخر في ظل مشكلة ضعف كفاءة ومهارات مخرجات التعليم والتدريب المهني والتقني التي تعتبر من المسببات الرئيسية؛ لعزوف القطاع الخاص عن الاستعانة بالأيدي العاملة الوطنية التي تفتقد إلى الخبرة والمهارة واستيعابها، ومن ثم تزيد معدلات البطالة عاماً بعد آخر، مما يدعونا للتساؤل عن مستقبل مخرجات التعليم في السنوات المقبلة، وهل يستطيع القطاع الخاص استيعاب هذه المخرجات التي تتراكم عاماً بعد عام، مع عجز الحكومات عن إيجاد فرص العمل الحقيقية، مما يلقي بالجزء الأكبر من المسؤولية وتبعاتها على القطاع الخاص، لا سيما أن القطاع الخاص دائم الطلب من الحكومة ومن وزارة القوى العاملة لتوفير الأيدي العاملة الوطنية المدرَّبة، وتلك هي المعادلة الصعبة التي تتركز في ضرورة حصول شركات القطاع الخاص على أيد عاملة مدرَّبة وماهرة في الوقت نفسه، حفاظاً على مستوى الإنتاج وجودة العمل، لاسيما أن كل مخرجات التعليم -حتى التقني- تفتقد للخبرة الميدانية التي تقنع القطاع الخاص وتلبي احتياجاته، وهنا تكمن الإشكالية إذ كيف تتحقق المصالح المشتركة لكل الأطراف المتمثلة في حق المجتمع في توظيف الشباب والشركات والباحثين عن عمل؟
وهنا نطرح تساؤلاً حول أين تتجه نوعية مخرجات التعليم والتدريب في الألفية الثالثة؟ هل يمكن أن توجه نحو الاحتياجات الفعلية لسوق العمل؟ وفق برامج تدريبية تأخذ في الاعتبار توقعات طلب المهارات الفنية في سوق العمل وتطوراتها؟ وهل لدينا قاعدة بيانات حديثة تساعد في التعرّف على المهارات والتقنيات والمهن والخبرات والوظائف التي يطلبها سوق العمل خلال خمس أو عشر سنوات مقبلة؟ وإلى أي مدى يمكن أن تتوافق البرامج التعليمية والجامعية وبرامج التدريب الفني والتقني مع هذه الاحتياجات؟
وهل يمكن أن يؤدي القطاع الخاص العربي بدور فاعل وإيجابي في إصلاح التعليم والتدريب المهني والتقني من خلال المشاركة الاستثمارية الإنتاجية في مؤسسات التعليم والتدريب المهني والتقني، لتأهيل مخرجات التعليم المختلفة في التخصصات التي تلائم حاجة حقل العمل؟
وهل الحكومات لديها الرغبة في جذب القطاع الخاص للاستثمار بالتعليم والتدريب المهني والتقني وتشجيعه على خوض هذه التجربة؟ لأن القطاع الخاص سيظل عازفاً عن الاستثمار بالتعليم والتدريب المهني والتقني التطبيقي -ومعه بعض الحق في ذلك- لارتفاع كلفته من جهة وعدم قدرة الملتحقين بهذا التعليم على تحمّل نفقات الدراسة، ما لم تساهم الدولة بجملة من الحوافز، باعتبار أن الاستثمار التعليمي المنتج للقطاع الخاص في مؤسسات التعليم والتدريب المهني والتقني ضمان لتجويد مخرجات التعليم ومواءمتها مع احتياجات سوق العمل الفعلية والضرورية، بعد أن أصبحت الفجوة الزمنية في مجال التدريب بين الدول العربية والمتقدمة ربع قرن أو يزيد، لذلك يمكن أن يساهم القطاع الخاص في تمويل التعليم والتدريب المهني بالهبات والمساعدات المالية أو المادية مثل الأجهزة والمعدات للتقنيات الحديثة، أو دفع أجور تدريب المدرّبين لزيادة تأهيلهم، وأن يتحوّل دور الحكومة إلى التخطيط والإشراف والمشاركة في التمويل، كما أن شركات القطاع الخاص يمكن أن تضع لنفسها برامج تعليمية وتدريبية وفق خطة احتياجاتها على المدى القصير والبعيد، وإعداد مخرجاتها وفقاً لمستوى التطورات التقنية الحديثة، إذ يمكنها القيام بإنشاء مراكز تدريب خاصة بها، تشترك فيها مجموعة من الشركات في كل قطاع لتتولى تدريب الأيدي العاملة التي تحتاجها -بنظام التلمذة الصناعية- في التخصصات المختلفة لعدة سنوات قادمة، وفقاً للمستوى المهاري التي تريده والضوابط التي تحددها، وابتعاث بعضها للتدريب في الخارج في التخصصات النادرة، بدون الانتظار إلى ما تقدمه السوق من أيد عاملة نصف ماهرة أو بدون مهارة، أو التي يفرض عليها توظيفها من عديمي الخبرة أو المهارة، وتتضرر من تشغيلها على المدى البعيد، وكذلك التغلب على مشكلة الأيدي العاملة التي تتسرّب من الشركات بعد أن تكتسب الخبرة التي تمكنها من الانتقال إلى شركة أخرى، لذلك يمكن بالقانون إلزام المتدرّب بالعمل بالشركة التي قامت بتدريبه وأنفقت عليه لإكسابه المهارات والخبرات بالعمل لديها لمدة لا تقل عن خمس سنوات أو إلزامه بتحمّل تكلفة التدريب الذي حصل عليه، وبتكلفة تدريب عامل بديل جديد؛ وذلك لضمان استقرار سوق العمل.
*mohmeedosman@yahoo.com