
سيمون جونسون
يواجه كل من الرئيس دونالد ترامب والكونجرس الأمريكي ضغوطا متصاعدة لزيادة المساعدات لبورتوريكو. فالدمار الذي خلفه إعصار ماريا هناك الأسبوع الفائت زاد بشدة من تفاقم مشكلات حادة طال أمدها، نتجت عن تأجيل صيانة البنية الأساسية المتداعية للجزيرة. لذا تحتاج بورتوريكو إلى ما هو أكثر من مساعدات وقتية قصيرة الأجل (رغم حاجتها العاجلة لمثل هذه المساعدات أيضا)، حيت تحتاج إلى دعم كل من الحزبين الجمهوري والديمقراطي للشروع في عملية إعادة البناء، مع تركيز أوليّ وأساسي على إمداد أقوى وأرخص تكلفة بالكهرباء.
لقد انهارت فعليا شبكة الكهرباء الموجودة، في ظل تقديرات للوكالة الفدرالية لإدارة الطوارئ بأن الإعصار ربما دمر نحو 90%من شبكة نقل الطاقة الكهربائية، كما أن سدا رئيسا معرض للخطر. وقد أفضى الدمار الذي لحق بالبنية الأساسية لأنظمة التحكم في حركة المرور الجوي إلى تقييد الرحلات من وإلى الجزيرة بصورة حادة. وبحسب ما صرح به علنا المحافظ ريكاردو روسيلو، تواجه بورتوريكو الآن خطر وقوع كارثة إنسانية كبرى بشكل حقيقي. ورغم تدفق التبرعات، تظل في مجموعها صغيرة مقارنة بما تحتاجه الجزيرة.
تقول إدارة ترامب إن الوكالة الفدرالية لإدارة الطوارئ تعمل بهمة وفعالية شديدتين. أفلحت إن صدقت. بيد أنه ستظهر تساؤلات كثيرة بشأن مدى تمتع مواطني بورتوريكو الأمريكيين، المقدر عددهم بنحو 3.4 مليون نسمة، بنفس الدعم الذي يحصل عليه سكان تكساس وفلوريدا (والأجزاء الأخرى من الولايات الخمسين) عند وقوع كارثة طبيعية. لكن السؤال الأكبر هو: ما هي التدابير التي ستُتخذ ــ ومن سينفذها ــ لمساعدة بورتوريكو على التعافي فعلا من الأزمة؟
إن بورتوريكو ــ وهي إقليم تابع للولايات المتحدة ــ تحتاج لاستثمارات كبرى في بنيتها الأساسية الحيوية حتى ترتقي إلى المستوى العام للولايات الخمسين على الأقل. لذا ينبغي لصانعي السياسات، بعد معالجة الوضع الإنساني واستقراره، أن يركزوا على مد بورتوريكو بتيار كهربائي مستقر، يمكن الاعتماد عليه، ذي تكلفة معقولة، تعتمد عملية توليده في المقام الأول على موارد الطاقة المتجددة، ويكون موزعا على شبكة ذكية قابلة للتكيف مع الظروف المختلفة. فضمان توافر الطاقة أمر لا غنى عنه لتحقيق الاستقرار والنمو الاقتصادي المستدام.
ولن يجدي مجرد الاكتفاء بترقيع البنية الأساسية العتيقة. أما الكهرباء الأرخص تكلفة والأكثر مرونة سيستفيد منها الجميع ــ بداية من الباعة على الأرصفة حتى أشد العمليات الدوائية تعقيدا، وكل الوسائل التكنولوجية اللازمة لتوفيرها متاحة اليوم في الولايات المتحدة.
ومن المثير للسخرية أن تكون هيئة الطاقة الكهربائية في بورتوريكو، وهي الجهة المفلسة المسؤولة عن توفير الطاقة، هي ذاتها العامل المؤثر والأول في إيجاد منافسين لها، إذ تعد أسعار الكهرباء في الجزيرة أعلى من أي مكان آخر في الولايات المتحدة (باستثناء هاواي)، كما أن الخدمة سيئة ولا يعتمد عليها.
نتيجة لذلك، يُعرِض عدد متزايد من الزبائن عن عروض ومنتجات هيئة الطاقة الكهربائية، ليعتمدوا بدلا منها على مولداتهم الخاصة التي تعمل بالديزل.
وقد اقترح نويل زاموت، الذي يعمل منسقا لعمليات التجديد تابعا لمجلس الإدارة والإشراف الماليين المعنيّ بشؤون بورتوريكو، بناء وتصميم شبكة ذكية قابلة للتكيف تعتمد على التوليد الموزع لتقليل آثار الكوارث الطبيعية المستقبلية أو الهجمات البشرية، كما اقترح ربط وحدات توليد أصغر وأسهل نقلا بنظام معقد للمراقبة والتحكم لضمان بدء التشغيل والتوليد الفوري عقب انقطاعات التيار.
فضلا عن ذلك، يمكن توليد 50%على الأقل من مجموع الطاقة من الموارد المتجددة (سواء الشمس أو الرياح أو المد والجزر أو غيرها)، بما في ذلك المعتمدة على استخدام تقنيات التخزين المتقدمة، والتي يجري حاليا تطوير بعض منها. ويمكن تغطية وحماية معظم خطوط نقل الكهرباء للمسافات الطويلة أو دفنها، كما يمكن وضع استراتيجية معلوماتية لنشر أجهزة استشعار بشكل ملائم تعمل على تتبع ورصد الخسائر أيا كان مصدرها.
ستسهم مثل هذه الشبكة في تثبيت التكاليف للمشروعات والشركات القائمة، وقد تؤدي إلى خفض التكلفة الموحدة الكبرى لمعظم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، كما قد توجد ظروفا مواتية لسيناريوهات مستقبلية مبتكرة حقا. تخيل بوتوريكو مثلا وقد أصبحت عاصمة السيارات الكهربائية في العالم، بها محطات للشحن موزعة توزيعا جيدا، وقد خلت من الانبعاثات تقريبا، وطُبق بها نظام لمشاركة وتقاسم السيارات لخدمة القطاع السياحي.
بل قد تصبح بورتوريكو مصدرة للطاقة تمد جيرانها في الولايات المتحدة وجزر فيرجين البريطانية بفائض طاقتها الإنتاجية.
كل هذا (عدا التخزين واسع النطاق لموارد الطاقة المتجددة) قابل للتحقيق بالتكنولوجيا الموجودة بالفعل، أما المشكلات الرئيسة فتتعلق بالتخطيط، والهيكل التنظيمي، واللوائح التنظيمية.
ومع توافر دعم حكومي، وفهم جيد لهيكل الحكم الملائم، وإجراءات للتنظيم الفعال، يُصبِح من الممكن تنفيذ هذا السيناريو خلال العقد القادم. وسيوفر بناء هذه الشبكة فرصا وظيفية كثيرة.
ينبغي أن يكون دور الحكومة الفدرالية منصبا على جعل بوتوريكو قبلة للاستثمار في الطاقة النظيفة المتجددة التي تتكيف مع صدمات الطقس. ويمكن استغلال التكنولوجيا الناتجة عن هذا الاستثمار تجاريا وبيعها لعالم يعاني من صعوبة التكيف مع التغير المناخي والطقس المتطرف.
قد تجد إدارة ترامب صعوبة في إقرار مثل هذه الحزمة من الاستثمارات طويلة الأجل في الكونجرس في ظل دعم الجمهوريين وحدهم، إذ ستُثار بالطبع اعتراضات أيديولوجية متنوعة. لكن هذه فرصة مثالية لترامب كي يمد جسور التواصل مع الديمقراطيين ويُظهر أن كلا الجانبين يمكنهما التعاون بشأن إعادة بناء وتحديث البنية الأساسية الوطنية الضرورية.
كبير خبراء الاقتصاد لدى صندوق النقد الدولي سابقا، وأستاذ في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا.