إنقاذ الاقتصاد البرازيلي

مقالات رأي و تحليلات الأحد ٠٨/أكتوبر/٢٠١٧ ٠٣:٤٥ ص
إنقاذ الاقتصاد البرازيلي

أوتافيانو كانوتو

لقد كشفت التحقيقات الجارية المتعلقة بالفساد في البرازيل عن شبكة متشابكة من العلاقات غير المشروعة بين الشركات الخاصة والبيروقراطيين الحكوميين والسياسيين المنتخبين وقد وصلت فضائح الفساد هذه بالفعل إلى أعلى المستويات في المجتمع البرازيلي حيث تمت محاكمة وسجن العديد من السياسيين رفيعي المستوى وأصحاب الشركات والمديرين التنفيذيين وحتى الرئيس الاسبق لويز إيناسيو لولا دا سيلفا قد وضع الآن تحت لائحة الاتهام ويخضع للتحقيق.

وقد أثرت هذه الدراما السياسية في الوقت نفسه على الاقتصاد البرازيلي بشكل سيء فبالإضافة إلى الأعمال التجارية الفردية فقد عانت سلاسل القيمة الاقتصادية التي تساهم بشكل كبير في الناتج المحلي الإجمالي للبلاد من تجميد تشغيلي ومالي مفاجئ.
ولكن بينما ركز العديد من المراقبين على النتائج السلبية السياسية والاقتصادية قصيرة المدى لتلك الفضائح فإن من الأهمية بمكان التركيز على ما يمكن للبرازيل أن تكسبه من خلال الكشف عن الفساد ومعاقبة المجرمين حيث أن إصلاح العلاقة بين القطاعين العام والخاص في البرازيل يمكن أن يؤدي إلى تحسين الأداء الاقتصادي الطويل الأجل للبلاد.
لقد غيرت المحاكمات الجارية الحسابات لأي عنصر اقتصادي يفكر في انتهاك ثقة الشعب من أجل تحقيق مكاسبه الخاصة و هناك الآن تصور منتشر يتعلق بتزايد احتمالية القبض على أولئك الأشخاص الذين ينخرطون في معاملات غير مشروعة ومعاقبتهم بصرف النظر عن مكانتهم الاجتماعية و هذا ينطبق تماما على أولئك الذين يطلبون الرشوة كما هو الحال بالنسبة لأولئك الذين يدفعون لهم.
ولا ينبغي أن يكون المرء خبيرا اقتصاديا حتى يعرف أن زيادة المخاطر الاقتصادية يمكن أن تكون حافزاً سلبياً قوياً وعلى الرغم من أن معظم أكبر التحقيقات والمحاكمات المتعلقة بالفساد لا تزال جارية، فقد قامت الشركات البرازيلية بالفعل بتعزيز جهودها في مجال الامتثال خوفا من الوقوع فيها و وفقا لبرونو برانداو و هو المدير في منظمة الشفافية الدولية للبرازيل، فإن البلاد الآن في خضم «ثورة حوكمة الشركات».
إن للفساد آثارا ضارة بعيدة المدى على الاقتصاد البرازيلي فعندما يكون الفساد متفشيا يتم استخدام النفقات العامة والموارد البشرية في جميع أجزاء الاقتصاد بطرق تزيد إلى أقصى حد من فرص التكسب الاقتصادي بدلا من خلق الثروة و تحاول الجهات الفاعلة الخاصة بدلاًمن الابتكار أو تحسين الانتاجية التغلب على منافسيها في السوق من خلال السعي للحصول على امتيازات خاصة.
سوف تتمكن البرازيل بعد أن تستقر الأجواء بعد تحقيقات الفساد من تعزيز اقتصادها بثلاثة أبعاد مختلفة على الأقل. أولا، يمكن جعل الانفاق العام أكثر فعالية من حيث التكلفة ولن يتم بعد ذلك اتخاذ قرارات بشأن المشاريع الاستثمارية و المناقصات الحكومية والمسائل الإدارية والتنظيمية الأخرى بطريقة يمكن من خلالها تحقيق أقصى قدر ممكن من التكسب.

ثانيا واستجابة للتغيير الأول، سوف تخضع مجموعة واسعة من القطاعات التي تتفاعل مع القطاع العام إلى عملية إعادة هيكلة كبيرة كما إن «نموذج الأعمال» الذي يستند إلى انشاء وتوزيع الطلب على القطاع العام بطريقة منظمة وقمع المنافسة لن يكون صالحا بعد اليوم وسوف تركز الشركات بعد انعدام الفرص المرتبطة بالرشاوى على الكفاءة و سوف تقوم الأسواق مرة أخرى بمهامها الصحيحة المتمثلة في اختيار الفائزين والخاسرين.

ثالثا، يمكن للبرازيل أن تحسن سمعتها بشكل كبير بين المستثمرين فإذا اعتقد المستثمرون أن اقتصاد البرازيل يستند الى سيادة القانون و ليس لتزوير عمل السوق من جانب قلة تحصل على الامتيازات فسوف تقل المخاطر المتعلقة بالدخول في أعمال تجارية في البرازيل وسوف يتطلب تعزيز سيادة القانون وضمان الامتثال للقواعد الرسمية مزيدا من الشفافية والقضاء على عوامل السوق الإضافية غير الواضحة في منافسة القطاع الخاص.
سوف يتعين على البرازيل بطبيعة الحال أن تمر بمرحلة انتقالية اقتصادية مؤلمة طويلة قبل أن تتمكن من الاستفادة من هذه الفرص وفي الوقت الراهن، تجد الشركات المحلية الكبيرة المتورطة في الإجراءات القضائية صعوبة كبيرة في الحصول على التمويل وإزالة الشكوك حول القيمة المعلنة لأصول تلك الشركات وصافي قيمتها وقد أدى ذلك بدوره إلى تقلص الطلب من قبل العملاء وغير ذلك من التحديات التشغيلية الأخرى.
لقد تبنت العديد من الأطراف الخارجية مع استمرار التحقيقات والملاحقات القضائية نهج الانتظار حتى تنجلي الأمور بينما تنظر في اكتساب الأصول الحالية من عمليات تصفية الشركات كبديل عن الاستثمار الشامل من الصفر وفي نهاية المطاف سوف يستغرق الأمر وقتا لإعادة بناء الثقة حيث يحتاج المستثمرون إلى أن يروا بأنفسهم أن البرازيل تخطو خطوات جادة في مسيرة الإصلاح التي تبذلها بالإضافة الى مزيد من الجهود من قبل الهيئات التنظيمية والشركات الحكومية.إن نجاح «ثورة الحوكمة» يتوقف على أن لا تنتهي العملية بالمحاكمات الجارية.
بادئ ذي بدء، يجب أن يستكمل العمل القضائي بجدول أعمال إصلاحي يتعلق بالاقتصاد الجزئي – طبقا لاقتراح وزير المالية هنريك ميريليس – من أجل تغيير خصائص بيئة الأعمال في البرازيل التي لا تولد قيمة ولا ينتج عنها الا الفساد و تحتاج الحكومة إلى تحسين مسائلة القطاع العام على جميع المستويات ثم البحث تدريجياً عن المزيد من الطرق لمنع المخالفات في المقام الأول وهي بحاجة إلى ضمان أن تكون إصلاحات الحوكمة مرنة وصلبة أمام محاولات مستقبلية لعكسها.
إن شبكة المحسوبية التي يتم تفكيكها ليست جديدة ولا تقتصر على البرازيل ولكن من الواضح أنها بدأت في التوسع في السنوات الأخيرة ربما كأحد عوارض «لعنة الموارد الطبيعية» والناجمة عن اكتشاف احتياطيات نفط في اعماق البحار خلال دورة السلع المتميزة بين عامي 2000 و2014.
على أي حال فإن تفكيك العلاقات الفاسدة بين القطاعين العام والخاص في البرازيل سوف يكون مؤلما على المدى القصير و لكن على المدى الطويل، فإن الاصلاحات الجارية الآن ستحقق مكاسب اقتصادية وسياسية واجتماعية للبلاد - ولأي دولة أخرى تحاكيها.

مدير تنفيذي في البنك الدولي