أربع جبهات أمام أوروبا

مقالات رأي و تحليلات الخميس ٠٥/أكتوبر/٢٠١٧ ٠٣:٤٠ ص

أناتول كاليتسكي

بانتهاء انتخابات ألمانيا، بلغت أوروبا نهاية موسم من الاضطرابات السياسية المتواصلة. والآن آن الأوان لاتخاذ تدابير تستجيب على النحو الملائم للاضطرابات التي أوجدتها كل هذه الاقتراعات.

وصف فرانس تيمرمانز، النائب الأول لرئيس المفوضية الأوروبية، حالة أوروبا في العام الفائت بأنها «أزمة متعددة»: الخروج البريطاني، ومسألة اللاجئين، وما يسمى «الديمقراطية غير الليبرالية» في المجر وبولندا، وأزمة اليورو التي لم تُحَل بعد، والمخاطر الجيوسياسية التي يمكن أن نعزوها إلى دونالد ترمب وفلاديمير بوتن. وكل هذا يتحدى «المشروع الأوروبي» الذي بدأ قبل ستين عاما بمعاهدة روما.

لكن الأزمات تخلق الفرص دائما. وقد أنتجت أزمة العام الفائت المتعددة مجموعة من الفرص. ولم يعد لدى قادة أوروبا أي عذر للتقاعس عن العمل في حين ينتظرون رفض الناخبين التالي.
الواقع أن الإصلاحات الاقتصادية في فرنسا، وعدم الارتياح الألماني إزاء اللاجئين واليورو، والمواقف الجديدة نحو التكامل الأوروبي في بروكسل، والعلامات التي تشير إلى تأجيل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي إلى أجل غير مسمى أو حتى تجنبه بالكامل: كل هذا أوجد احتمالات جديدة لترويض القوى الخطرة التي أطلقتها الثورات الشعبية في العام المنصرم. بيد أن تحقيق هذه الفرص يتطلب تحقيق أربعة اختراقات سياسية واقتصادية متزامنة في مختلف أنحاء أوروبا.
يتعين على فرنسا أن تعمل على التصدي للتنظيم المفرط والمبالغة في الإنفاق العام. ويتعين على ألمانيا أن تعيد النظر في التقشف المالي والعقيدة النقدية. وتحتاج بريطانيا إلى تحول كامل في التعامل مع النزعة القومية والهجرة. كما يتعين على المسؤولين في الاتحاد الأوروبي أن يهجروا هوسهم بدفع كل الدول الأعضاء نحو «الاتحاد المتواصل التقارب» الذي لا يريده عدد كبير من مواطنيهم.
من الصعب أن نتصور تحقيق التقدم على أي من الجوانب المنفصلة للأزمة المتعددة من دون تحقيق اختراقات متزامنة على الجبهات الأربع. على سبيل المثال، أي تخفيف للتقشف المستلهم من ألمانيا يتطلب إيجاد الدليل على الإصلاح الاقتصادي في فرنسا؛ غير أن الإصلاحات الفرنسية لن تنجح إلا إذا وافقت ألمانيا على قواعد مالية أكثر سخاءً ودعمت السياسات النقدية التي تعود بالفائدة على الدول الأعضاء الأضعف في منطقة اليورو.
وعلى نحو مماثل، يمكن تجنب خروج بريطانيا أو تأجيله إلى أجل غير مسمى إذا عرض الاتحاد الأوروبي تمديد فترة التفاوض إلى ما بعد مارس 2019 واقترح بعض التنازلات المتواضعة في ما يتصل بمدفوعات الهجرة والرفاهة الاجتماعية. لكن قادة أوروبا لن ينظروا في تقديم مثل هذه التنازلات إلا إذا رأوا دليلاً واضحاً على أن الناخبين البريطانيين يغيرون موقفهم من الانسحاب من الاتحاد الأوروبي.
ولنتأمل الآن الناخبين الألمان الذي تحولوا ضد المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل وشركاء تحالف حزبها الديمقراطي الاجتماعي، وذلك في الأساس لأنهم ساخطون على ما يعتبرونه هجرة غير منضبطة ومدفوعات تحويل غير مبررة لليونان. وسوف يعارض هؤلاء الناخبون التكامل المالي والنقدي اللازم لتثبيت استقرار منطقة اليورو إذا تصوروا أن أموالهم سَتُنفَق على دعم دول فقيرة تقع على أطراف أوروبا وترفض التعاون بشأن اللاجئين ولا تتقيد بقوانين الاتحاد الأوروبي.
والطريقة الوحيدة لإقناع الناخبين الألمان بأن أموالهم لن يجري توجيهها على نحو غير صحيح هي إنشاء مؤسسات سياسية منفصلة وميزانية منفصلة لمنطقة اليورو. وهذا هو الاقتراح الذي تقدم به الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وأيدته ميركل من حيث المبدأ. ولكن خطط إدارة أوروبا ذات مسارين من غير الممكن أن تتقدم إلا إذا تمكنت ميركل من التغلب على القوميين الألمان الذين يريدون تفكيك العملة الموحدة، وتمكن ماكرون من إسكات الاندماجيين المتعصبين في بروكسل الذين يريدون إجبار كل دول الاتحاد الأوروبي على الانضمام إلى منطقة اليورو.
للوهلة الأولى، يبدو من قبيل المبالغة أن نأمل في تحقيق تقدم متزامن على العديد من الجبهات. ففي نهاية المطاف، إذا كانت احتمالات تحقق الاختراقات اللازمة في كل من فرنسا وألمانيا وبريطانيا وبروكسل على حِدة خمسين إلى خمسين، فإن احتمالات تحققها في الأربع في نفس الوقت ستكون 6.25% فقط.
من حسن الحظ، هناك سببان على الأقل لرفض هذا التشكك المنطقي ظاهريا. فأولا، القرارات السياسية والاقتصادية التي يواجهها القادة في مختلف أنحاء أوروبا الآن ليست مستقلة على الإطلاق. فما يحدث في باريس ولندن وبروكسل يعتمد بشكل حاسم على برنامج الحكومة الذي تتفاوض عليه ميركل مع شركائها في التحالف في برلين. وبدوره، يعتمد اتفاق الائتلاف في ألمانيا على مهارات ماكرون الدبلوماسية في الدعوة إلى هوية سياسية اقتصادية متميزة لمنطقة اليورو.
على نفس القدر من الأهمية، يتعين على بيروقراطية الاتحاد الأوروبي أن تعتنق ــ بحماس ــ مفهوم أوروبا ذات المسارين. وهذا يعني التخلي عن افتراض مفاده أن كل أعضاء الاتحاد الأوروبي يتجهون إلى نفس الوجهة، والتوقف عن التعامل مع البلدان من خارج منطقة اليورو على أنها دول متقاعسة من الدرجة الثانية (والتي توصف بطريقة متعالية متعجرفة بكونها دول «ما قبل الدخول»).
والآن، لنفترض أن قادة الاتحاد الأوروبي أدركوا أن الطريقة الوحيدة الممكنة لصيانة الاستقرار الأوروبي والتقدم تتلخص في تبني نموذج المسارين أو نموذج «الدوائر المتحدة المركز»، مع إحاطة منطقة اليورو الأكثر تكاملا على المستوى السياسي بكونفدرالية أكثر مرونة تتألف من دول من خارج منطقة اليورو. في ظل هذه الظروف، من المرجح أن تغير بريطانيا رأيها بشأن الخروج من الاتحاد الأوروبي.
وإذا فشل هذا، فسوف تنفق بريطانيا سنوات عديدة في مرحلة انتقالية لا يقينية، ثم تعود على نحو شبه مؤكد إلى الانضمام إلى السويد والدنمرك وبولندا والمجر وجمهورية التشيك في الحلقة الخارجية من دول الاتحاد الأوروبي التي تعترض على تجميع السيادة كما يتطلب اليورو. وسوف يشد هذا المدار الخارجي أيضا المجر وسويسرا بفِعل الجاذبية الاقتصادية التي لا تقاوم.
ويشير هذا إلى السبب الثاني الذي يحملنا على الاعتقاد بأن قادة الاتحاد الأوروبي يمكنهم تحقيق اختراقات سياسية واقتصادية متزامنة في مختلف أنحاء اوروبا. فالقرارات الواجب اتخاذها في باريس وبرلين ولندن وبروكسل لا تخضع للمصادفة البحتة. فهناك حوافز قوية تدفع الناخبين والقادة السياسيين في كل الدول الديمقراطية إلى اتخاذ قرارات تدعم الازدهار الاقتصادي والاستقرار السياسي، بمجرد أن يُصبِح من الواضح أن كل البدائل ضارة اقتصاديا أو خطرة سياسيا.
هذه هي النقطة التي توصل إليها الناخبون الفرنسيون في أبريل عندما انتخبوا ماكرون، كما تقترب نقطة تحول مماثلة بسرعة في بريطانيا، مع تزايد وضوح تناقضات خروج بريطانيا والمخاطر المترتبة عليه. ولا يتبقى سوى أن تدرك ألمانيا أن ازدهارها وأمنها يعتمد على منطقة يورو أكثر تكاملا داخل اتحاد أوروبي أكثر مرونة.

كبير الاقتصاديين والرئيس المشارك ل كافينيل دراكونوميكس ومؤلف «الرأسمالية 4.0، ولادة اقتصاد جديد».