محمد محفوظ العارضي
لا نريد التسليم بالمسمى الذي يطلقه العالم على الثورة الصناعية الرابعة وهو تسونامي التقدم التكنولوجي، فتسونامي، كما هو معروف، إعصار اجتاح السواحل اليابانية، وخلف آلاف القتلى والمفقودين. الانطباع الأول حول هذا المسمى أنه باغت العالم ولم يتوقعه أحد ونتج عنه الكثير من الخسائر في الممتلكات والأرواح، فهل حقاً هذا ما نريده من الثورة الصناعية الرابعة التي ستشكل ملامح مستقبلنا القريب؟ أم أن هناك إمكانية لقراءة التحولات والاستعداد لها بجهوزية كاملة بحيث نتحكم بتوجهاتها ومخرجاتها لتكون عظيمة الفائدة وقليلة الخسائر؟
لو كان التطور عملية تتم من تلقاء ذاتها بدون تعب أو استعداد للمستقبل، لوجدنا جميع الأمم في مستوى واحد، ولكُّنا نعيش الآن واقعاً خالياً من المشكلات والتحديات. لكن التطور عبر التاريخ، كان ولا يزال ثمرة لمجهود مجموعات كبيرة من الناس بمختلف تخصصاتها وخبراتها أبدعت وابتكرت واخترعت أدوات غدها، والتطور هو أيضاً ثمرة لرؤية قيادة أبدعت في سياساتها ونظرتها بعيدة المدى، وقادت شعبها بإصرار نحو المستقبل وحرصت على توفير كافة المقومات التي تجعل هذا المستقبل أفضل بكثير من واقعها وأكثر ملاءمةً لتطلعات شعبها.
يجب الإقرار بحقيقة أن التسارع الذي تشهده ساحة الابتكار العلمي، وما أضافته من اختراعات واكتشافات، رافقها في الوقت ذاته، مزيد من التفاوت بين الشعوب وارتفاع في مستويات الفقر والبطالة، وتفكك المجتمعات، وتنامي الكراهية والتطرف والصراعات التي تجعل من الوجه الحضاري للمرحلة كأنه مجرد قناع جميل يخفي خلفه ملامح قاسية تخلو من الإنسانية، وإلا فكيف نفسر بقاء الفقر والبطالة في البلدان ما دون النمو بالرغم من الثورة في وسائل الإنتاج وانفتاح الحدود أمام تدفقات رؤوس الأموال والبضائع؟ وكيف نفسر انتشار الأمراض الجديدة وعجز الأجهزة الصحية عن توفير وقاية أو علاج - وإذا توفر فهو بعيد عن متناول الغالبية من الفقراء حول العالم؟ وكيف نفسر أن في بعض الدول هاتف ذكي واحد على الأقل لكل مواطن بينما هناك نحو 4 بلايين شخص في العالم بدون اتصال بالإنترنت و1.3 بليون بدون كهرباء بليونان بدون تعليم أساسي؟ وكيف نفسر احتدام التناقض بين الثقافات الأعراق والمذاهب وتنامي الصراعات على الرغم من ثورة التواصل وتقنيات الاتصال التي يفترض أن تقرّب الناس لا أن تفرقهم؟ والأهم من هذا كله كيف نضمن ألا تكون الثورة الصناعية الرابعة مجرد تكرار لكل الطفرات التكنولوجية التي سبقتها؟
إن الإجابة على السؤال الأخير تكمن في محاولة تفسير الإشكاليات التي طرحناها، ولا يوجد تفسير أكثر دقة من أن التطور التقني كان نخبوياً بالمطلق. فئات قليلة استفادت من طفرة التكنولوجيا وبقيت الغالبية متأخرة عنها بمئات السنين وليس بعشراتها. هذه النخبوية سببت تخمة في الإنتاج والاستهلاك وأضرّت بمسيرة النمو الاقتصادي العالمي، بل تسببت في أزمات مالية ضخمة وستسبب أزمات أكبر إذا لم يصحح العالم مفهومه عن التنمية وإذا لم نتسلح بالجهوزية الكاملة.
إن الجهوزية للثورة الصناعية الرابعة المقبلة أهم بكثير من نتائجها، وهذه الجهوزية تكون أولاً بمراجعة نقدية جادة لأخلاقيات الاقتصاد والسياسة على مستوى العالم أجمع، لتأمين عاملين أساسين، عامل الوقاية وعامل المبادرة.
الوقاية تعني أن نضع مسبقاً المبادئ العامة التي توجه التطور التقني والاختراعات نحو خدمة الناس، فتحديد وظيفة الاختراع العلمي تفوق في أهميتها وجود الاختراع ذاته، والتجربة أثبتت أن ليس كل اختراع أو تقنية قد وظفت في مكانها الصحيح... بعض الاختراعات العلمية كانت أدوات إبادة وتخريب، والبعض الآخر كان احتكار الأقلية لمصير الأغلبية، وبعضها بات يعتبر تهديداً للعلاقات الاجتماعية، وقد عبّر «كلاوس شواب» في منتدى دافوس العالمي 2017 عن ذلك حيث قال: «هناك سلبيات تحملها الثورة الصناعية بقدر ما تحمل من إيجابيات».
وللاستفادة من الإيجابيات ودرء السلبيات، نأتي للحديث عن الشق المبادر من الجهوزية الذي يعني إنجاز توافقات دولية حول الكيفية الأسلم لتوظيف التقنيات الحديثة لما فيه خير الشعوب، فتقنيات اليوم قادرة إذا وُظفت بالشكل السليم أن تحل المعضلات الكبرى للمرحلة، مثل التغيّر المناخي والاحتباس الحراري، وتحقيق الأمن الغذائي، وتطوير التعليم والبحث العلمي، وتعزيز الابتكار في الطب وتطوير علاجات للأمراض المستعصية، والارتقاء بمستوى الخدمات الحكومية المقدمة للجمهور.
التوافقات الدولية حول هذه المبادئ العامة، يجب أن يقودنا في مرحلة متقدمة إلى تشريع هذه التوافقات وقوننتها، والتركيز على تحويلها إلى ثقافة ووعي لجيل كامل من شباب اليوم الذين سيصبحون بعد سنوات قليلة قادة المستقبل، فتأهيل الشباب في ظل واقع علمي يتطور باستمرار، وانفتاح لا حدود له على المعلومات، لا يعني فقط تسليح عقولهم بالمعرفة والعلوم، وتوفير مؤسسات أكاديمية حديثة، بل وتعزيز وجدانهم أيضاً، وحماية قيمهم الإنسانية التي ستشكل ناظم عملهم ومحدد غاياتهم.
والحديث عن الشباب، يحيلنا تلقائياً نحو تناول الشق الأهم من جهوزيتنا لمخرجات الثورة الصناعية الرابعة وهو التعليم، فكيف يمكن للتعليم أن يؤنسن التكنولوجيا ويغيّر من وظائفها؟ وكيف يمكن أن نوازن بين احتمالات أن يتولى الجيل القادم من الذكاء الاصطناعي -»الروبوتات» -تعليم أبنائنا، وبين الحفاظ على القيم الإنسانية التي يجب أن تكون أهم مخرجات التعليم في المستقبل؟ لا نريد أن نقفز من واقع التعليم الحالي إلى واقع مختلف تماماً بدون ضمان أن يؤدي قطاع التعليم وظيفته التي ذكرناها مسبقاً، وهي تنمية العقول والوجدان في آن.
علينا أن نركز في توجهاتنا الإستثمارية المستقبلية على حل إشكالات النمو السكاني العالمي والأمن الغذائي، وكيفية استخدام المعالجات الجينية للبذور والتربة لتحقيق وفرة الغذاء وإتاحته للجميع بدون استثناء، ومكافحة عوامل البيئة المناقضة لهذا التوجه، وتركيز الاستثمار العالمي في البلدان النامية على تحسين شروط الزراعة والثروة الحيوانية وتعليم السكان تقنيات الإنتاج الحديث.
وعلينا أن نسعى لتوظيف مخرجات التطور التقني لتطوير القطاع الصحي ورفع كفاءته في مكافحة الأمراض السارية والطارئة، وضرورة اعتبار أن العالم قرية واحدة ومجتمع واحد، وصحة كل فرد في هذا العالم مسؤولية كافة الحكومات والهيئات الدولية، فهل يعقل أن نعتبر العالم قرية واحدة عند الحديث عن التجارة وتوظيف الموارد، ولا نعتبره كذلك عند الحديث عن صحة الناس ومستوياتهم المعيشية؟
نحن بحاجة ماسة في هذه المرحلة بالذات للنظر بنقدية علمية للقطاعات الاقتصادية القائمة على ضوء ما ستدخله التكنولوجيا من ذكاء صناعي على سلسلة الإنتاج والإدارة والتسويق. لقد عبّر العالم عن مخاوفه أن تكون البطالة إحدى نتائج استبدال البشر بالذكاء الصناعي، لكن هل صحيح أن البشرية قادرة على اختراع هذا الذكاء وتطويره ولكنها عاجزة عن تطوير القطاعات الصناعية التقليدية واستحداث أخرى للحفاظ على وظائف البشر؟ إن النظرة لطبيعة اقتصاد المستقبل يجب أن تتغير، فالقطاعات القائمة اليوم ليست هي ذاتها قبل مئة عام، والثورة الصناعية الأولى التي جاءت بالآلة، خلقت بالمقابل فرصاً جديدة للعمل وارتقت بمهارات البشر لتتناسب مع التحولات الصناعية الكبرى، وأسست لشكل جديد من المجتمعات والعلاقات الاجتماعية، ولنوع جديد من العلوم والمعارف والتفكير. الخشية أن يتحول تراكم الثروة وتركيزها الذي نتج عن تقنيات التصنيع والتسويق الحديثة إلى عائق أخلاقي أمام أنسنة مخرجات الثورة الصناعية القادمة. قد يكون العالم اعتاد التفاوت، واعتاد وجود مليارات من البشر يعيشون بشكل بدائي محرومون مما أنتجته الحداثة واعتاد مشاهد الموت والدمار. والأسوأ من ذلك، أن هذه الظواهر أصبحت مصادر دخل لأعمال تدر المليارات من الدولارات على المؤسسات التي تتاجر بعذابات البشر.
إن إعلان هيئة الأمم المتحدة لأهداف التنمية المستدامة للعام 2030، يشير إلى إمكانية أن العالم تنبّه لمدى خطورة العلم بلا إنسانية والتقدم بدون غايات سامية. لن تستطيع الأمم المتحدة وحدها أن تحقق غايتها التنموية بدون خطط وبرامج تتجاوز في أهدافها توسيع عملية الإنتاج لتصل إلى توسيع آفاق وجداننا وهويتنا الإنسانية. علينا أن نسبق الإنتاج المادي للطفرة التقنية بإنتاج معنوي: أدب وثقافة وفلسفة وقيم ومعايير واضحة ترتقي بشكل وجودنا الاجتماعي. وعلينا أن نتفق على حل مشكلات الجوع والفقر والأمية والبطالة والتفاوت كعوامل مشتركة مضمونة بقوانين وضوابط.وعلينا أن نقي الناس الخوف من الجوع والحاجة والموت... فالخوف أساس كل ما نشهده من صراعات وعنف وكراهية.
رئيس مجلس الإدارة التنفيذية في إنفستكورب
محمد محفوظ العارضي