محمد محمود عثمان*
اقتحام سوق العمل ضرورة حتمية للشباب حديثي التخرج من خلال المشاريع الصغيرة والمتوسطة أو حتى متناهية الصغر، حتى يمكن أن يروضوا أحلامهم ويضعوا أقدامهم على طريق المستقبل، بعد أن تراجعت قدرة الحكومات على التوظيف، أو صارت منعدمة، ولكن كم عدد الشباب الطموح الذي لديه المهارات التي تمكنه من النجاح والصمود في مواجهة كل التحديات؟
مع أهمية المشاريع الصغيرة والمتوسطة في إيجاد فرص عمل، في ظل وجود ملايين الخريجين الباحثين عن فرصة العمل النادرة في الأسواق الآن، خاصة في البلدان ذات القوى العاملة الكثيفة، مع قلة الموارد أو ندرتها، لأننا يجب أن نقر ونعترف بأننا في عالمنا العربي، نعاني من فجوة عميقة بين مهارات الخريجين ومتطلبات سوق العمل.
وحتى لا يستمر هذا السيناريو بكل سلبياته، فإن المشاريع الصغيرة والمتوسطة هي الحل الأمثل، ولذلك يجب أن تبدأ من حيث انتهى الآخرون، في ظل اقتصاديات السوق الحر، وفتح مجالات المنافسة، لأن الإحصاءات تشير إلى أن المشاريع الصغيرة والمتوسطة تمثل 98% من مجموع المؤسسات العاملة في معظم دول العالم، بعد أن نما دورها مع نهاية عهد الاقتصاد الموجه، وتفعيل دور منظمة التجارة العالمية، وأنشطة الشركات متعددة الجنسيات، العابرة للقارات وانتشار مفاهيم جديدة حول معايير الحوكمة، والتي ينادي البعض بتطبيقها على المشاريع الصغيرة والمتوسطة، مع ضرورة استعانتها بمجالس استشارية ومجالس إدارة، وباقي الآليات التي يمكن تطبيقها فقط على الشركات المساهمة العامة، وهي مفاهيم جيدة ولازمة للشركات الكبرى، وتعد نوعا من الرفاهية أو الترف إذا تحدثنا عن تطبيقها على الشركات الصغيرة والمتوسطة التي لا زالت في المهد، ومن الصعب التزامها أو الزامها بهذه الضوبط والمعايير نظرا لضعف الإمكانات وصغر حجم العمل.
معظم هذه الشركات قد تبدأ بفرد واحد أو اثنين، مع حاجتهم الشديدة إلى الاستشارات والخبرات التي تساعدهم على النجاح، لأن معظم إن لم يكن جميع أصحاب الشركات الصغيرة والمتوسطة في حاجة أولا، إلى اكتساب المهارات المحاسبية والإدارية والتسويقية الأولية التي تساعدهم على الترويج وتسيير تعاملاتهم اليومية وتسجيلها، والتي تفيدهم في المبيعات والمشتريات والعقود والعلاقات مع الآخرين.
لاشك أن ذلك يدفعنا إلى البحث عن البدائل التي تسهل وتساند الشركات الصغيرة والمتوسطة حتى تنحج في تسويق منتجاتها، لأن التجارب السابقة أثبتت تعثر الكثير من هذه الشركات إما عمدا أو جهلا، بعد أن بددت رأس مالها المقترض على مرأى ومسمع من الهيئات والمؤسسات الإشرافية المتعددة، والمتداخلة الاختصاصات، التي تعتبر مغلولة الأيد تجاهها إداريا ومحاسبيا، الأمر الذي أدى إلى غياب السلطة الرقابية الحقيقية، ومن ثم نقص التوجيه الفعال، إلى جانب ارتفاع تكاليف دراسات الجدوى والخدمات المساندة للمشروعات، وبيروقراطية الإجراءات الحكومية أو تعقيداتها.
ومن ثم فإن هناك دورا محوريا مهما يمكن أن تقوم به الهيئة العامة لتنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، بالتعاون مع غرفة تجارة وصناعة عمان- أكثر من الدور المشكور التي تقوم به الآن- للعمل كبيوت خبرة متطورة ومتخصصة من خلال الخبراء والمتخصصين، لتقديم الاستشارات الفنية والإدارية والمحاسبية والتسويقية، لكل من يطلبها من أصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة بدون مقابل، إلى جانب العمل على جذب المزيد من المشاركين، وتنظيم المسابقات، وتقديم الحوافز التي تشجع الشباب على الالتحاق بالعمل في القطاع الخاص وتشجيع المبادرات الفردية، لتوسيع قاعدة المشاركين في المبادرات المنتجة والتي تضيف للمجتمع وللاقتصاد قيمة مضافة حقيقية، تجعل من هؤلاء أعضاء نافعين لأنفسهم وللمجتمع، ووضع خريطة طريق لوضع ألف شركة صغيرة ومتوسطة على الأقل سنويا على الطريق الصحيح، تشجيعا للشباب على الانخراط في هذه المشاريع، التي تعد قاطرة التنمية في ظل التوجه إلى تنوع مصادر الدخل والحد من معدلات البطالة المتزايدة عاما بعد عام، من خلال المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وإن كان مركز "الزبير للمؤسسات الصغيرة"، بسلطنة عمان نموذجا جيدا في هذا الشأن، ولكنه لا يستطيع بمفردة تحقيق الطفرة التي ننشدها في تقديم الخبرات والاستشارات للشباب أصحاب هذه المشاريع باسلوب علمي وعملي، إلى جانب مركز مجموعة" دبليو جي تاول "الذي يشارك بنسبة في ذلك أيضا، حتى يمكن التركيز على تطوير الأفكار والقدرات الإدارية لصاحب العمل في خط متواز مع تطوير المشروع.
mohmeedosman@yahoo.com