إعداد: فريق حوار الشرق الأوسط
قد تصل الإمارات العربية المتحدة إلى المريخ، إلا أنها ليست أول دولة عربية تسعى لاستكشاف الفضاء، إذ جاءت أولى المحاولات في الواقع من لبنان.
يأتي مشروع الإمارات لاستكشاف المريخ تتويجًا لجهود أكثر من عشر سنوات من برامج تبادل التكنولوجيا والأبحاث في الإمارات العربية المتحدة، والتي أطلقت بالفعل قمرين صناعيين منخفضي المدار، هما «دبي سات-1» و «دبي سات-2»، يعملان كقمري رصد للأرض. ويجري العمل حاليًا على تطوير قمر ثالث باسم «خليفة سات» في مركز محمد بن راشد للفضاء في دبي، حيث يتم أيضًا تطوير «مسبار الأمل» للوصول إلى المريخ.
كانت لبنان هي صاحبة أول برنامج فضائي عربي، حيث أسس طلاب من جامعة هايكازيان في نوفمبر 1960 «جمعية جامعة هايكازيان للصواريخ» بقيادة أستاذهم مانوغ مانوغيان. وكان مانوغيان، وهو أستاذ في الرياضيات والفيزياء، شخصًا طموحًا وكان وهو طفل يحب قراءة روايات الخيال العلمي من تأليف جول فيرن. وعندما بلغ من العمر 25 عامًا، أصبح أستاذًا جامعيًا وعمل على سلسلة من الدروس والتجارب مع طلابه لمحاولة بناء أنظمة لإطلاق الصواريخ، مستخدمين في تلك التجارب معدات ووسائل بسيطة مثل الكرتون والأنابيب، واستطاعوا إطلاق بعض الصواريخ فوق الجبال في بيروت وكانت النتائج متفاوتة.
وقد استخدمت الجمعية تبرعاً بسيطاً قدمه لهم السياسي إميل البستاني في تمويل عدد من تجاربهم الطموحة لبناء صواريخ أحادية المرحلة. وأثمرت هذه الجهود، في أبريل من العام 1961، عن أول إطلاق ناجح لصاروخ أحادي المرحلة ذي وقود صلب وصل إلى ارتفاع كيلومتر تقريبًا.
بعد ذلك، قدمت لهم الحكومة اللبنانية المزيد من المنح عبر وزارة التربية، واستطاع هؤلاء الطلاب، بقيادة أستاذهم الطموح، تحسين تصاميمهم وتطوير قدراتهم، مما جعلهم يغيرون اسم مجموعتهم إلى «النادي اللبناني للصواريخ» وبناء أجهزة أكثر قدرة وكفاءة. وفي العام 1962، أطلق النادي عددًا من الصواريخ متعددة المراحل. وفي تلك المرحلة، كان الجيش اللبناني يوفر المرافق الآمنة للنادي (التي كانت في الواقع عبارة عن ميدان رماية لم يعد قيد الاستخدام) وبدأ البرنامج يتسم بالجدية. وفي النهاية، نجح الأكاديميون في إطلاق سلسلة من الصواريخ التي أُطلق عليها سلسلة صواريخ «أرز»، والتي وصلت إلى طبقة «الثيرموسفير» العام 1963. وقد تم تكريم هذا النموذج من الصواريخ القادر على الوصول إلى ارتفاع 140 كيلو مترًا بإصدار طوابع بريدية تحمل صورته.
كان مانوغيان في ذلك الحين مأخوذًا بأخبار البرامج السوفيتية والأمريكية التي نجحت في إرسال حيوانات إلى الفضاء. ففي العام 1957، أرسل السوفيت الكلبة الصغيرة «لايكا» إلى الفضاء وأصبحت أول حيوان في التاريخ يدور حول الأرض. ومن ثمّ، عمل مانوغيان على تدريب فأرة تُدعى «ميكي» على تحمّل سرعة الصاروخ وكان يأمل أن يرسل الفأرة على متن أحد الصواريخ، لكن زوجته عارضت هذا المشروع معارضة شديدة. فحتى لو كان مانوغيان يحقق النجاحات في مجال الفضاء، لم ترضَ زوجته بتاتًا أن يؤذي تلك الفأرة أو يقتلها.
وبالرغم من كثرة عدد محاولات الإطلاق الفاشلة، إلا أن نجاح البرنامج كان جليًا. كانت لبنان في تلك الفترة في طريقها نحو تطوير برنامجها الخاص لاستكشاف الفضاء، حيث كانت تمتلك صواريخ متعددة المراحل قابلة للاستخدام وقوية، بالإضافة إلى مركبات النقل الخاصة بها
لكن بعد كل هذه النجاحات، حلت المأساة. ففي العام 1964، فشلت محاولة لإطلاق أحد الصواريخ وتحولت إلى كارثة عندما أُصيب طالبان ونُقلا إلى المستشفى، ذلك أنهم كانوا يستخدمون وقودًا قويًا وخطيرًا في الإطلاق. وفي ذلك الحين، كان البرنامج يحظى باهتمام غير مرحب به، فقد شعر مانوغيان، وهو رجل مسالم للغاية، أنّ عددًا من أصحاب المصالح يريدون الاستفادة من برنامجه السلمي لاستكشاف الفضاء لأغراض أخرى.
وقد أطلق النادي اللبناني للصواريخ آخر صاروخ له العام 1966. وبعدها، سافر مانوغيان للعمل والعيش في الولايات المتحدة الأمريكية وعاد طلابه إلى حياتهم العادية. وهكذا، طُويت صفحة البرنامج اللبناني للفضاء لتختفي رسالته الساعية لتطوير تكنولوجيا الصواريخ السلمية والعلمية في وسط حرب أهلية استمرت 20 عاما وشهدت إطلاق الكثير والكثير من الصواريخ من الأراضي اللبنانية.
وكانت جهود النادي لتُنسى، لولا الفيلم الذي صدر العام 2013 بعنوان «النادي اللبناني للصواريخ»، والذي يحتفي بالتاريخ المشرف لأول برنامج عربي لاستكشاف الفضاء.
وفي ظلّ التحضيرات الجارية لإطلاق ثالث قمر صناعي إماراتيٍ لرصد الأرض وعمل الفرق على بناء «مسبار الأمل» للوصول إلى المريخ، من المثير للاهتمام التفكير أنه لولا الحوادث التاريخية، لربما كانت هذه السفن الفضائية الإماراتية المتطورة قد أُطلقت إلى الفضاء على متن صواريخ لبنانية!