العائق أمام تعافي أوكرانيا

مقالات رأي و تحليلات الخميس ٢٨/سبتمبر/٢٠١٧ ٠٤:٠٦ ص
العائق أمام تعافي أوكرانيا

أندرس آسلوند

تزخر عاصمة أوكرانيا بعلامات متناقضة من الأمل والفوضى. فقد شهدت الدولة تحولا اقتصاديا رائعا، لكن لا يزال الفساد متفشيا في أرجائها. ورغم نجاح إدارة الرئيس بترو بوروشنكو في إرساء شؤون المالية العامة، لكنها فشلت في كبح جماح المحسوبية.

إلا أن السؤال الأهم الآن يتعلق بمدى قدرة أية إصلاحات قضائية أو قانونية يقوم بها الرئيس بوروشنكو على خلق الظروف المواتية لنمو اقتصادي قوي ومستدام. منذ توقيع صندوق النقد الدولي اتفاقية قرض مع الحكومة في مارس 2015، قام الصندوق بصرف أربع شرائح مالية كبرى. لكن ديفيد ليبتون، النائب الأول لمدير عام صندوق النقد، حذر في زيارة قام بها مؤخرا إلى كييف من مخاطر حدوث «انتكاسة» أوكرانية.

إن مشاكل أوكرانيا لا تتعلق في جوهرها بقضايا الاقتصاد الكلي، فوزير المالية الحالي في الحكومة، وهو أوليكساندر دانيلوك، نصير صريح للسوق الحرة يتمتع بسجل قوي في مجال الإدارة الاقتصادية، شأنه في ذلك شأن الوزيرة السابقة ناتالي جاريسكو.
وفقا لصندوق النقد الدولي، وصل إجمالي المصروفات العامة في أوكرانيا عام 2014 إلى 53% من الناتج المحلي الإجمالي، لكنه هبط إلى 40% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول العام 2016. وفي عام واحد فقط، وتحديدًا من 2014 إلى 2015، نجحت أوكرانيا في تقليص عجز الموازنة من 10% من الناتج المحلي الإجمالي إلى 2% فقط. وهي الآن في سبيلها للحفاظ على عجز يقارب 3% من الناتج المحلي الإجمالي في السنوات المقبلة.
فضلا عن ذلك، زادت إيرادات الدولة بنسبة 30% في النصف الأول من العام 2017 مقارنة بالفترة ذاتها من العام الفائت، لتتجاوز قيمة الإيرادات النمو الذي حدث في المصروفات، وذلك بفضل تحسينات أُدخلت على النظام الضريبي. نتيجة لذلك، حظيت الحكومة بميزانية منضبطة في الفترة من يناير إلى يونيو.
في أبريل، توقع صندوق النقد الدولي أن يقف مستوى الدين العام لأوكرانيا عند 91% من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية 2017، إلا أن الحكومة نجحت بالفعل حتى الآن في تخفيضه إلى 81% من الناتج المحلي الإجمالي. ومن المرجح أن يستمر هذا التقدم، مع اشتداد النمو وزيادة قيمة عملة أوكرانيا (الهريفنا).
تدين أوكرانيا بالكثير مما تحظى به من قوة اقتصادية اليوم لفاليريا هونتاريفا، محافظة البنك المركزي الفائتة، التي قامت بعملية تطهير لقطاع البنوك خلال السنوات الثلاث الفائتة. فخلال فترة تولي هونتاريفا منصبها، أغلق بنك أوكرانيا الوطني نصف البنوك العاملة بالدولة، وعددها آنذاك 180 بنكا، كان معظمها يدير عمليات فاسدة، إن لم تكن إجرامية محضة.
ومن الطبيعي عندما تنتظم الإيرادات المحلية لدولة ما أن تتحسن إيراداتها الخارجية أيضا. وقد مثل احتياطي أوكرانيا من النقد الأجنبي مصدر قلق كبير منذ العام 2014، أما اليوم، يقف الاحتياطي الأجنبي لأوكرانيا عند مستوى مطمئن وهو 18 مليار دولار ــ أي ما يوازي ثلاثة أشهر ونصف من الواردات الحالية.
تتمتع أوكرانيا بالمكونات الأساسية الثلاث لنمو قوي سليم. ففي النصف الأول من 2017، بدأ سريان اتفاقية منطقة التجارة الحرة العميقة والشاملة بين الاتحاد الأوروبي وأوكرانيا، وارتفعت الصادرات الأوكرانية بشكل هائل بلغ 25%، متجاوزة نمو الواردات بدرجة كبيرة، فضلًا عن ما تحظى به أوكرانيا من نمو قوي في الاستثمار والاستهلاك. وخلال النصف الأول من هذا العام، زادت الإنشاءات بنسبة 24%، وارتفعت مبيعات التجزئة بنسبة 8%.لكن رغم توقعات صندوق النقد الدولي بأن تبلغ نسبة نمو الناتج المحلي الإجمالي 2.9% في عام 2017 ــ وأن يصل النمو السنوي إلى 4% بحلول 2020 ــ لم يتجاوز معدل النمو السنوي في النصف الأول من هذا العام 2.5%. في الحقيقة هناك أسباب منعت أوكرانيا من تحقيق انطلاقة أكبر في مجال النمو، رغم الاستقرار المالي الذي تحقق لها مؤخرًا.
بداية، تسبب القتال في شرق أوكرانيا في تعطيل وإعاقة القطاع الزراعي، الذي كان المصدر الرئيسي للنمو طيلة العقد الفائت. لكن السبب الأهم يكمن في الكبت المحتمل «لنزعات المخاطرة» في أوكرانيا، نظرا ليأس رواد الأعمال في البلاد من محاولة التنافس مع الأقلية المتسلطة من أصحاب رؤوس الأموال الذين ما زالوا يحتفظون بقدرتهم على التلاعب بالاقتصاد لصالحهم.
وخلال السنوات الثلاث الفائتة، بدأت الحكومة (مدفوعة من صندوق النقد الدولي) في محاربة الفساد بأسلوب منهجي، شمل توحيد أسعار الطاقة، وإدخال نظام إلكتروني لتوريد معظم المشتريات العامة يمتاز بالشفافية. وحتى الآن، كشف ما يزيد عن 100 ألف موظف عمومي عن دخولهم والأصول التي يمتلكونها في إظهار علني للشفافية ينافس نظيره في الدول الاسكندنافية.
بيد أن إخفاق الحكومة في إرساء وتعزيز حكم القانون يظل يمثل مشكلة خطيرة. في السابق كانت الشركات المحلية والمستثمرون الأجانب يشتكون من إساءة استخدام السلطات الضريبية للسلطة. لكن بعد أن اعتقل مكتب مكافحة الفساد في أوكرانيا رومان ناصيروف، رئيس مصلحة الشؤون الضريبية في البلاد، في مارس الفائت، أصبح الآن مكتب النائب العام والأجهزة الأمنية يمثلان مصدر القلق الأكبر، فكلاهما يخضع لسلطة الرئيس مباشرة، ويُنظر إليهما بشكل عام على أنهما جهازان حكوميان ينهبان خيرات البلاد.
ويؤمل أن تفضي الإصلاحات القضائية الجارية حاليا إلى مراقبة السلطة التنفيذية، وتأمين حقوق الملكية، حتى ينعكس ذلك إيجابا على النمو بتشجيعه وزيادته. لكن من الواضح بالفعل أنه ستكون هناك حاجة لمزيد من الإجراءات.
في يوليو الفائت، قام بوروشنكو بتجريد ميخائيل ساكاشفيلي، رئيس جورجيا الاسبق الذي دعاه بوروشنكو من قبل إلى أوكرانيا وعينه محافظا لمقاطعة أوديسا العام 2015، من جنسيته. لكن قرار بوروشنكو، الذي صدر في شكل مرسوم دون المضي في الإجراءات اللازمة لتطبيقه، يعد ملتبسا من الناحية القانونية. وبدلا من أن يتقبل ساكاشفيلي مصيره، استغل مسألة تجريده من الجنسية لتهييج وإثارة المجتمع المدني الأوكراني. وفي وقت سابق من هذا الشهر، دخل ساكاشفيلي ومعه زعيمة المعارضة يوليا تيموشينكو أوكرانيا من جهة بولندا دون المرور بإجراءات مراقبة الجوازات.

زميل في المجلس الأطلسي في واشنطن، آخر مؤلفاته: في أوكرانيا: ما حدث من خطأ وكيفية إصلاحه