
جمال زويد
قبل بضع سنوات كنّا نستهزئ ببيانات الاستنكار والشجب والتنديد التي تصدرها دولنا العربية والإسلامية تجاه مذابح ومجازر يجري ارتكابها في بعض البلدان الإسلامية، وبالذات في فلسطين التي كانت لحسن الحظ يسمّونها في تلك الأيام بـ (فلسطين المحتلة). وأتوقع أن غالب الشعوب كانت – آنذاك – تنظر إلى تلك البيانات بأنها حيلة العاجز الضعيف عن فعل شيء، أي شيء يوازي الجُرْم المرتكب لولا أن الجُرْح بالميت لا ينتج عنه ألماً ! مثلما يقولون.
أما الآن؛ فقد جرت عملية سياسية، فُقدِت بسببها مثل تلك البيانات واختفت كلمة (المحتلة) من فلسطين، وأصبحت إسرائيل أمراً واقعاً يجب علينا الترحيب بوجودها واعتبارها دولة قائمة يمكن زيارتها والتطبيع معها وإقامة مختلف العلاقات معها فضلاً عن بذل الجهد لحمايتها من الإرهابيين والمتطرفين الذين لا يرون في إسرائيل سوى أنها ورم خبيث ينبغي استئصاله.
أذكر عندما كنّا صغاراً؛ كانوا في التليفزيون كثيراً ما يسألون أطفالاً: لماذا تكرهون إسرائيل؟ فكان من أفضل أجوبة الطفولة وأبلغها حينذاك: وهل تحبّ حرامي سرق بيتك وطرد من فيه ؟!
بالطبع الحرامي لم يتغيّر والبيت ما يزال مسروقاً لكن أصحابه نسوا بيتهم المسروق وتحوّل حديثهم عن استعادته كحق منطقي ومشروع إلى دعوة السارق للقبول بأن يعيشوا معه في بيتهم المسروق!!
تجسّدت الأسبوع الفائت في نيويورك حالة الانهزام فيما يشبه حالة استجداء جماعي مارس أدوارها بعض الزعماء والقادة وممثليهم العرب من أجل إحلال السلام بإرغام إسرائيل للموافقة على مبادراتهم وقبلها الموافقة على الجلوس معهم على طاولة الحوار لترتيب العيش والسلام مع الفلسطينيين في بيتهم المسروق.
والواقع فإن الجواب الحصيف على سؤال: إلى أين نذهب ؟ هو: لنذهب إلى الله؛ فهو المرتجى سبحانه وتعالى الذي أذلّ القياصرة والأباطرة والفراعنة. وإن الاستمرار في استجداء الدول والمنظمات في الشرق كما في الغرب، وبذل أو إنفاق كل هذه الجهود المضنية والأموال الطائلة لن يعيد وطنا مسلوباً أو يعوّض دماً مسفوكاً.
من المؤسف أن تتحوّل مقاومة الاحتلال - التي كانت في سابق أزمان العروبة والإسلام عنوان عزّ وفخر وكرامة - إلى مجرّد كلمة رديفة لـ (الإرهاب) ضمن العديد من المرادفات التي جرى في زمن الانهزام حصرها فينا بحيث أنه لم يعد أحد يقبل بالكلام عن دفاع الفلسطيني عن أرضه المحتلة ومقدساته المغتصبة؛ فذاك صار يُعدّ إرهاباً يجب إنكاره والعمل على استئصاله ومنع حدوثه مثلما يحدث للروهينجا في بورما حيث يشرّد عشرات الآلاف منهم في الفيافي والبحار.
كنّا نتمنى في حفل كلمات الجمعية العمومية للأم المتحدة الأخير أن ينبري أحد – أي أحد – يستنكر تلك القسمة الضيزى، ويرفض تعاريفهم ومدلولاتهم للإرهاب التي استثنت القتلة والجزّارين والسفاحين ومرتكبي جرائم الحرب والاحتلال من مختلف الأصقاع والديانات والملل.