
آنا بالاسيو
وفقا لإحدى القواعد القائمة على الخبرة والتجربة في الدبلوماسية: إذا لم تتمكن من التوصل إلى اتفاق بشأن قضية ما، فما عليك إلا أن تعمل على توسيع نطاق المناقشة. اليوم، ربما تكون الولايات المتحدة عازمة على قلب هذا المبدأ رأسا على عقب، فتعمل على توسيع نطاق المناقشة بهدف تدمير اتفاق قائم بالفعل. وهو ليس أي اتفاق. الواقع أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تريد تفكيك الاتفاق النووي مع إيران. ولكن في حين وَصَف ترامب الاتفاق على أنه «مصدر خزي وحرج» في خطابه أمام الأمم المتحدة، فإن الاتفاق الذي توصل إليه المجتمع الدولي مع إيران يُعَد في واقع الأمر واحدًا من أهم الإنجازات الدبلوماسية في العقد الفائت.
كانت إيران دوما دولة صعبة المراس في المفاوضات الدولية. ومع توزع القوة بين مجموعة لا حصر لها من القوى والشخصيات التي كثيرا ما تتعارض أو حتى تتنافس في ما بينها، يُصبِح من الصعب للغاية فهم بيئة التفاوض، ناهيك عن الإبحار عبرها.
في هذا السياق، يُعَد التوصل إلى «صفقة كبرى» من شأنها أن تعالج كامل نطاق سلوك إيران الضار المزعج ــ ليس برنامجها النووي والصاروخي فحسب، بل وأيضا دعمها للإرهاب الدولي، وزعزعتها للاستقرار الإقليمي، وانتهاكها لحقوق الإنسان ــ أمرًا غير واقعي. فلابد من الإبقاء على موضوع البحث ضيقا وقائما بذاته قدر الإمكان، للوصول إلى أي نتيجة حقيقية.
كان هذا هو النهج في التعامل مع المفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني. والواقع أن «خطة العمل الشامل المشتركة» الناتجـــة عن ذلك تســـمية مغلوطة. فهي لا تعالج برامج الأسلحة المرتبطة بالأنشطة النووية ولا تضمن عمليات التفتيــش في المنشــآت العسكرية، وأغلب نصـــوصها ستكون ســارية المفعول لمدة عشر سنوات فقط.
ولكن لم يكن من المفترض أن تغطي خطة العمل الشامل المشتركة كل شيء. بل كان المقصود منها بدلا من ذلك إبعاد التهديد الوجودي المتمثل في برنامج إيران النووي عن طاولة التفاوض لفترة كافية لبناء أساس لمشاركة أكثر إيجابية وكفيلة بتحقيق التقدم على جبهات أخرى. كان الاتفاق بداية، وليس غاية في حد ذاته.
ومع ذلك، قبل أن تمر فترة طويلة، ربما تنغلق النافذة الدبلوماسية التي فتحتها خطة العمل الشامل المشتركة. ذلك أن الرئيس مُطالَب بموجب القانون الأمريكي بالشهادة أمام الكونجرس كل تسعين يومًا بأن إيران لم تنتهك الاتفاق، وأن استمرار تعليق العقوبات أمر «بالغ الأهمية للمصالح الأمنية الوطنية» للولايات المتحدة. وفي أوائل سبتمبر، اقترح سفير الولايات المتحدة إلى الأمم المتحدة نيكي هالي أن نسف الاتفاق لن يكلف ترامب سوى الزعم ببساطة أن أفعال إيران الشريرة الأخرى ضارة بالقدر الكافي لاستحقاق العقوبات. كان الهدف من خطة العمل الشامل المشتركة إبعاد القضية النووية عن طاولة التفاوض لتمكين الأطراف من معالجة كل شيء آخر. وإذا أعادت الولايات المتحدة كل شيء آخر إلى طاولة المفاوضات مرة واحدة، فسوف ينهار الاتفاق.
في هذه الحالة، تُصبِح إعادة إيران إلى طاولة المفاوضات مستحيلة عمليا. ولن تكون الولايات المتحدة منفردة قادرة على فرض عقوبات قوية بالقدر الكافي على إيران لتأمين هذه النتيجة، في حين سيكون من غير المرجح إلى حد كبير أن يعيد الاتحاد الأوروبي ــ المهندس الأساسي لخطة العمل الشامل المشتركة ــ فرض العقوبات على أيران التي تمتثل لالتزاماتها. وبوسع المرء أن يفقد الأمل تماما في عودة روسيا والصين إلى العملية.
من الواضح أن العواقب المترتبة على مثل هذه النتيجة سوف تمتد إلى خارج حدود إيران. إن خطة العمل الشامل المشتركة تُعَد مثالا حديثا نادرا للتعاون الدولي، وهي تُثبِت جدارة نظام العقوبات الواسع القاعدة. فهي في حالتنا هذه توفر دَفعة كبرى للنظام العالمي القائم على القواعد والذي تعتمد عليه أوروبا بشكل خاص. وبالتسبب في زوالها، ربما تلحق إدارة ترامب أشد الضرر بالمبادرات المتعددة الأطراف في المستقبل.
من منظور إقليمي، تُعَجِّل نهاية خطة العمل الشامل المشتركة بتهميش أميركا في الشرق الأوسط. فقد كان اتفاق إيران عنصرا أساسيا في جهود الرئيس باراك أوباما لتخليص الولايات المتحدة من تورطها في المنطقة، حيث وَعَد بتحييد واحد من المصادر الرئيسية لعدم الاستقرار والذي يستلزم استمرار اهتمام الولايات المتحدة بالمنطقة بالضرورة. ولكن بعيدًا عن استعادة الوضع الراهن، ربما يتسبب قتل الاتفاق في جعل أميركا أقل مصداقية في التعامل مع شؤون الشرق الأوسط.
وفي الأمد القريب، ربما تشغل الفراغ الاستراتيجي جزئيا روسيا التي استغلت بالفعل فرصة انسحاب أميركا التدريجي من المنطقة لتعزيز موطئ قدمها هناك. وبعد أن رسخت نفسها باعتبارها قوة محورية من خلال تدخلها العسكري في سوريا، تستخدم روسيا الآن مواردها من الطاقة لتوسيع نفوذها ــ مع كل ما يترتب على ذلك من عواقب جيوسياسية وأمنية بعيدة المدى.
وبالفعل أبرمت شركة النفط التي تسيطر عليها الدولة، روزنفت، اتفاقات في مصر، وكردستان العراق، وليبيا، في حين كانت نظيرتها زاروبجنفت تلاحق مشاريع تطوير النفط والغاز في إيران. من ناحية أخرى، تمضي شركة الغاز الروسية العملاقة جازبروم قدما في تمديد ما يسمى خط الأنابيب توركستريم. أضف إلى هذا خط أنابيب نورد ستريم المرتقب والذي سيربط روسيا بألمانيا مباشرة، فتتلاشى بسرعة آفاق الاتحاد الأوروبي في ما يتصل بتنويع إمداداته من الطاقة ــ والذي يشكل أهمية بالغة لأمن الطاقة في الاتحاد الأوروبي.
في الأمد الأبعد، ربما يؤدي غياب الولايات المتحدة عن الشرق الأوسط إلى إطالة أمد الفوضى والدمار اللذين اتسم بهما هذا العقد من الزمن، مع اشتداد حدة التداعيات على أوروبا. من المؤكد أن هناك سيناريو بديل: فربما تتوصل إيران والمملكة العربية السعودية وتركيا إلى اتفاق ضمني (أو حتى اتفاق فاعل) بشأن تقسيم النفوذ في المنطقة يقضي باستبعاد الأطراف الخارجية. ولكن نظرا للخصومات التي طال أمدها في المنطقة، فإن نشوء مثل هذا النظام ليس مضمونا على الإطلاق.
ثم هناك العنصر النووي في هذا التحدي. فقد عرضت خطة العمل الشامل المشتركة نموذجا لجهود منع الانتشار، والذي شمل الفصل بين الطاقة النووية ــ المصدر الآمن الجدير بالثقة للطاقة ــ وانتشار الأسلحة النووية. وإذا رُفِض هذا النموذج من قِبَل إدارة ترامب، فإن تطبيقه في المستقبل في أي مكان آخر يُصبِح أكثر صعوبة، إن لم يكن مستحيلا.
يدرك القادة الأوروبيون أهمية خطة العمل الشامل المشتركة. والآن يتعين عليهم أن يتخذوا التدابير اللازمة لإنقاذها. ولتحقيق هذه الغاية، ينبغي لهم أن يعملوا على إقامة علاقة مع إيران تتجاوز الولائم والمراسم الرامية إلى تسهيل الاستثمار الأوروبي أو الترويج للشراكة المزمعة في مجال الطاقة، فتعالج قضايا أخرى معلقة، مثل الصواريخ الذاتية الدفع، والإرهاب، وحقوق الإنسان.
إن النجاح يتطلب الحديث الصريح، والمشروطية، والواقع أن ترامب على حق عندما يؤكد على ضرورة بذل المزيد من الجهد لكبح جماح إيران. ولكن خطة العمل الشامل المشتركة هي التي ينبغي أن تعمل كمنصة لمثل هذا العمل. وهذا هو بيت القصيد.
وزيرة خارجية إسبانيا السابقة، ونائبة رئيس البنك الدولي