غريس باتِن
يرى الشاعر العظيم تي. إس. إليوت أن «إبريل هو الشهر الأكثر قسوة على الإطلاق». ولكن في عام 2017، ربما يُغفَر لساسة العــــالَم إذا رأوا أن سبتمبر هو الشهر الأكثر استحقاقا لهذا اللقب.
ولنتأمل هنا حالة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الرجل غير المعروف نسبيا والذي انتُخِب في مايو بدعم من كثيرين أدلوا بأصواتهم ضد خِصمته في الجولة الثانية مارين لوبان رئيسة الجبهة الوطنية اليمينية المتطرفة.
والآن، يواجه ماكرون معارضة قوية من كل من اليسار المتطرف واليمين المتطرف بشأن خطته لإحياء الاقتصاد الفرنسي.
فبالإضافة إلى تخفيضات الميزانية وتجميد الأجور في القطاع العام- لا يحظى أي من الأمرين بأي قدر من الشعبية تحت أي ظرف من الظروف- يحاول ماكرون إصلاح قانون العمل في فرنسا. وكان من المؤكد أن يثير هذا عاصفة سياسية، وبالفعل استجابت نقابات العمال الفرنسية بالتهديد بتنظيم إضراب عام في الأسبوع الثاني من سبتمبر.
علاوة على ذلك، كانت بعض القرارات التي اتخذها ماكرون منذ تولى منصبه غير معززة لموقفه على الإطلاق. على سبيل المثال، لا يملك المرء إلا أن يتساءل لماذا اختار دعوة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لحضور احتفالات يوم الباستيل في فرنسا في يوليو. الواقع أن مثل هذا الاستعراض الملكي من قِبَل «الرئيس الشمس» جانبه الصواب بكل تأكيد.
ومع ذلك، أظهر ماكرون الشجاعة والوضوح والعزم على فِعل الشيء الصحيح. ويظل لزاما على كل الليبراليين والوسطيين المؤيدين لأوروبا أن يتمنوا له الخير.
في المملكة المتحدة، ربما يكون سبتمبر الشهر الذي يباغت فيه الواقع المرير الشعب البريطاني وحكومة رئيسة الوزراء تيريزا ماي الملزمة بالخروج من الاتحاد الأوروبي. كان مايكل جوف، وزير الدولة لشؤون البيئة والغذاء والريف، يزعم مرارا وتكرارا أن المملكة المتحدة ستكون في مقعد السائق بمجرد بدء مفاوضات الخروج مع الاتحاد الأوروبي. ولكن مقعد السائق ليس المكان الذي قد يرغب المرء في الوجود فيه عندما تتجه مركبته إلى الهاوية.
كما رأينا المرة تلو الأخرى، يبدو النهج الذي تتبناه بريطانيا في التعامل مع مفاوضات الخروج من الاتحاد الأوروبي مجرد خليط من التفكير بالتمني، والتجديف إلى الخلف، ومطالبة الاتحاد الأوروبي بالإذعان ومساعدة القادة البريطانيين على الخروج من الفوضى التي صنعوها.
بينما كان هذا المشهد جاريا، كانت مستويات المعيشة في المملكة المتحدة تتجه نحو الانخفاض. وقد عاد العديد من البريطانيين مؤخرا من إجازاتهم، حيث استمتعوا بالشمس الأوروبية لكي يكتشفوا أن ما يشتريه لهم جنيههم الإسترليني أصبح أقل مما كان يشتري من قبل: فاليورو في جيبهم يساوي الآن 0.92 من الجنيه الإسترليني (1.19 دولار)، ارتفاعا من 0.70 من الجنيه قبل التصويت لصالح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
ووفقا لبعض التجار، سوف يواصل الجنيه انخفاضه هذا الخريف، وربما يصل إلى مستوى التكافؤ مع اليورو قبل أن تمر فترة طويلة.
والأمر الأسوأ على الإطلاق هو أن المكاسب السياسية المترتبة على الخروج البريطاني تظل وهمية كما كانت دائما، حتى في حين تتكبد بريطانيا تكاليف الخروج من أكبر أسواقها.
وفي الولايات المتحدة، من غير المرجح أن يحظى ترامب أيضا بشهر جيد. فعلاقاته مع زملائه الجمهوريين في الكونجرس تمر بحالة من السقوط الحر، وهي أيضا حال الفرص المتاحة لإقرار أي تشريع جاد.
وكان الفشل في إلغاء أو إصلاح قانون الرعاية الميسرة (أوباما كير) سببا في زيادة صعوبة إقرار التخفيضات الضريبية؛ وإذا لم يتفق المشرعون وإدارة ترامب على اتفاق الإنفاق الشهر المقبل، فسوف تتعطل الحكومة الفيدرالية الأمريكية.
وما يزيد الأمور تعقيدا على تعقيد أن ترامب يواصل توجيه تغريدات الصباح الباكر المسيئة لأعضاء الكونجرس، ووسائل الإعلام، وغير ذلك، في حين يخسر أو يفصل كبار مستشاريه. وإذا كانت إدارتــــــــــــه تتبنى أي مبدأ تنظيمي، فيبدو أنه مبدأ الباب الدوار: فهو باب للدخول في لحظة، ثم الخروج في اللحظة التي تليها.
ولعل رئيس أركان ترامب الجديد، الجنرال المتقاعد جون كيلي، لا يزال قادرا على فرض الانضباط داخل البيت الأبيض؛ ولكن من المستحيل أن يتمكن من كبـــــــــح جمـــــــاح الرئيس ذاته.
علاوة على ذلك، مع استمرار ترامب في إصدار تصريحات عامة متطرفة وجاهلة، لن تنتهي التحقيقات في ارتباطات حملته الانتخابية المزعومة مع روسيا في أي وقت قريب. فمع كل أسبوع يمر، يقترب مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي روبرت مولر وفريقه من مدعي العموم بشكل متزايد من الكشف عن الحقيقة، أياً كانت.
وربما يكون سبتمبر أيضا الشهر الذي نشهد فيه مواجهة عنيفة بين إدارة ترامب والصين. من الواضح أن غرائز ترامب الميالة إلى فرض تدابير الحماية ومعاداة العولمة لا تبشر بخير بالنسبة للعالَم بأسره. ولكن الحجة التي يسوقها بأن الصين تلعب وفقا لقواعد اقتصادية مختلفة عن تلك التي يتقيد بها الجميع ليست بعيدة عن الحقيقة.
فخلال مفاوضات انضمام بلاده إلى منظمة التجارة العالمية في ديسمبر 2001، كان وزير التجارة الصيني الأسبق (الذي يقضي عقوبة السجن الآن بتهمة الفساد) يقول لي أنا وغيري من المفاوضين: «إذا احترمتمونا بمقدار بوصة واحدة، فسوف نحترمكم بمقدار ميل».
ولكن إذا حكمنا من خلال التقارير الواردة من قادة الأعمال في الولايات المتحدة وأوروبا، فيبدو أن العكس تماما هو الصحيح: فقد أعطينا الصين ميلا، وحصلنا على بوصة واحدة في المقابل.
الأمر ببساطة أن الصين لا تلعب وفقا للقواعد التي وافقت عليها. فهي بادئ ذي بدء تعمل على حماية أسواقها من المنافسة، وهو ما يتجلى بوضوح في حالة شركات الإنترنت الصينية.
وعندما تمنح الصين الشركات الأجنبية حق الوصول إلى سوقها المحلية، فإنها تطالبها غالبا بالدخول في شراكات مع الشركات الصينية، أو التخلي عن حقوق الملكية الفكرية. وإذا استمر هذا النهج، فسوف ينفد صبر شركاء الصين في نهاية المطاف.
وفي حين استرعى تنصل ترامب من قواعد التجارة الدولية ومعاييرها قدرا وفيرا من الاهتمام، فإن انتهاك الصين لهذه المعايير مر دون أن ينتبه إليه أحد. وإذا لم تعمــــل الصين على تحسين سلوكها، فسوف نعـــــــــاني جميعنا- بما في ذلك الصين.
لا ينبغي لنجاح الصين الاقتصادي أن يهدد بقية العالَم؛ ولكن يجب أن يتحقق هذا النجاح على أساس عادل.
وينبغي للرئيس الصيني شي جين بينج وأعضاء مكتبه السياسي أن يؤكدوا على التزامهم بتحقيق هذا الهدف قبل أن يجتمعوا في إطار المؤتمر الوطني التاسع عشر للحزب الشيوعي هذا الخريف. وإذا فعلوا ذلك، فسوف يكون شهر سبتمبر أقل قسوة بعض الشيء مما تتجه إليه الأمور الآن.
آخر حاكم بريطاني لهونج كونج، ومفوض الاتحاد الأوروبي الأسبق للشؤون الخارجية، ويشغل حاليا منصب رئيس جامعة أكسفورد.