الحق في التكنولوجيا الزراعية

مقالات رأي و تحليلات الأحد ٢١/مايو/٢٠١٧ ٠٤:٤٢ ص
الحق في التكنولوجيا الزراعية

هنري ميلر

في ستينيات القرن العشرين، عندما تنبأ عالِم الأحياء بول إرليخ بمجاعة جماعية بسبب النمو السكاني السريع، كان مربي النباتات نورمان بورلوج يعكف على تطوير المحاصيل والأساليب الجديدة للزراعة والتي أصبحت في وقت لاحق الدعائم الأساسية للثورة الخضراء. ويرجع الفضل إلى هذه التطورات، جنباً إلى جنب مع إبداعات التكنولوجيا الزراعية، في منع أكثر من بليون وفاة بسبب المجاعة وتحسين تغذية بلايين أخرى من البشر الأحياء اليوم. ومع ذلك، يبدو أن بعض الناس متحمسون لإبطال هذه المكاسب.

بعيداً عن إنقاذ الأرواح، أنقذت الثورة الخضراء البيئة من الاستلاب والاستنزاف على نطاق هائل. وفقاً لإحدى دراسات جامعة ستانفورد، ساعدت التكنولوجيا الزراعية الحديثة منذ العام 1961 في خفض الانبعاثات المسببة للانحباس الحراري الكوكبي بشكل كبير، في حين أدت إلى زيادات كبيرة في غلة المحاصيل الصافية. كما ساعدت في إنقاذ ما يعادل ثلاث غابات مطيرة بحجم الأمازون أو ضعف مساحة الولايات الأمريكية الثماني والأربعين المتلاصقة بمنع إزالة الأشجار وحراثة الأرض لتوسيع رقعة الأراضي الزراعية. ومن جانبها، ساعدت المحاصيل المعدلة وراثياً في الحد من استخدام المبيدات الحشرية الضارة بالبيئة بنحو 581 مليون كيلوجرام (1.28 بليون رطل)، أو نحو 18.5 % تراكمياً منذ العام 1996.

ومن المثير للدهشة أن العديد من أنصار حماية البيئة هم الأكثر ميلاً إلى إدانة هذه التطورات بدلاً من احتضانها، وقد روّجوا إلى العودة إلى أساليب غير فعّالة ومنخفضة الإنتاجية. وضمن ما يسمى إيكولوجيا الزراعة التي يدافعون عنها سنجد «زراعة الفلاحين» البدائية، التي تعمل من خلال خفض غلة المحاصيل وإضعاف قدرتها على الصمود، على تقويض الأمن الغذائي وزيادة معدلات الجوع وسوء التغذية.
وفي الترويج لهذه الأفكار نشر مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة مؤخراً تقريراً أعدته المقرر الخاص المعنية بالحق في الحصول على الغذاء، هلال إلفر، التي دعت إلى إنشاء نظام عالمي لإيكولوجيا الزراعة، بما في ذلك معاهدة عالمية جديدة لتنظيم وتقليص استخدام المبيدات الحشرية والهندسة الوراثية، الذي اعتبرته انتهاكاً لحقوق الإنسان.
والحق أن قسماً كبيراً من تقرير مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة الذي أعدته إلفر يردد بلا وعي التأملات والتصوّرات الضلالية للمنظمات غير الحكومية التي تموّلها الصناعة العضوية. فهو يعتبر الإبداعات الزراعية مثل المبيدات الحشرية مسؤولة عن «زعزعة استقرار النظام الإيكولوجي» ويزعم أنها غير ضرورية لزيادة إنتاجية المحاصيل.
ربما يكون بوسعنا أن نعتبر كل هذا مجرد نشاط مضلل من قِبَل الأمم المتحدة. لكنه يشكل عنصراً واحداً فقط في إطار جهود أعرض اتساعاً وأشد تأثيراً من جانب منظمات غير حكومية عالمية، جنباً إلى جنب مع حلفاء في الاتحاد الأوروبي، لتعزيز نموذج إيكولوجيا الزراعة، الذي يحظر مدخلات زراعية المهمة، بما في ذلك المبيدات الحشرية ونباتات المحاصيل المعدلة وراثياً. والآن يجري الترويج لهذه الأجندة من خلال شبكة هائلة الحجم من وكالات الأمم المتحدة وبرامجها، فضلاً عن معاهدات واتفاقيات دولية.
الواقع أن الملايين من المزارعين من أصحاب الحيازات الصغيرة في العالَم النامي يحتاجون إلى حماية محاصيلهم. وعندما يفتقرون إلى القدرة على الحصول على مبيدات الأعشاب، على سبيل المثال، فإنهم يضطرون إلى إزالة الأعشاب الضارة يدوياً. وهو عمل شاق وقاصم للظهر حرفياً: فلإزالة الحشائش من هكتار واحد من الأرض، يضطر المزارعون من النساء والأطفال عادة إلى السير لمسافة عشرة كيلومترات (6.2 ميل) في وضع الانحناء. وبمرور الوقت، يؤدي هذا إلى إصابات مؤلمة ودائمة في العمود الفقري. والواقع أن هذا هو السبب الذي جعل ولاية كاليفورنيا تحظر إزالة الأعشاب الضارة يدوياً باستخدام العمال الزراعيين في العام 2004، وإن كان قرار الحظر استثنى المزارع العضوية؛ لأنها على وجه التحديد ترفض استخدام مبيدات الأعشاب.إن حرمان الدول النامية من أساليب أكثر كفاءة واستدامة في الزراعة من شأنه أن يدفع بها دفعاً إلى الفقر وينكر على شعوبها الحق في الأمن الغذائي. وهذا هو الانتهاك الحقيقي لحقوق الإنسان.

هنري ميلر المدير المؤسِّس لمكتب التكنولوجيا الحيوية في إدارة الغذاء والدواء في الولايات المتحدة.