
كان الجاحظ يقول إن البلاغة ليست في كثرة الكلام، بل في إصابة المعنى. ولو جلس اليوم بين جماهير الكرة الأفريقية لربما سأل سؤالًا واحدًا: كيف لقارةٍ تُنجب أعظم المواهب أن تعجز، مرارًا، عن عبور الخطوة الأخيرة؟
إنها ليست حكاية مباراة، بل حكاية قرنٍ كامل من الانتظار.
في كل نسخة من كأس العالم تقريبًا، تكتب أفريقيا الفصل نفسه، مع اختلاف أسماء الأبطال. تبدأ الرحلة بشجاعة، وتكبر الأحلام مع كل انتصار، حتى يبدو أن التاريخ على وشك أن يغيّر مساره. ثم، فجأة، يتوقف الزمن عند لحظة واحدة؛ ركلة جزاء، خطأ دفاعي، قرار تحكيمي، أو هدف متأخر. وكأن الرواية الأفريقية كُتبت لتتوقف دائمًا عند الصفحة قبل الأخيرة.
في عام 1990، حمل منتخب الكاميرون القارة على كتفيه، وبلغ ربع النهائي. كانت المسافة إلى نصف النهائي دقائق قليلة، لكن الخبرة الإنجليزية انتصرت في النهاية. وبعد اثني عشر عامًا، أعادت السنغال الحلم ذاته، وأقصت فرنسا بطلة العالم في افتتاح البطولة، قبل أن يتوقف المشوار في ربع النهائي أيضًا. ثم جاءت غانا عام 2010، وربما كانت أقرب اللحظات إلى كتابة التاريخ، عندما وقفت على بعد ركلة جزاء واحدة من بلوغ نصف النهائي، قبل أن يذوب الحلم في ركلات الترجيح. وفي 2022، كسر المغرب السقف التقليدي بوصوله إلى نصف النهائي، لكنه اصطدم بمنتخبات تمتلك خبرة تراكمت عبر عقود طويلة.
هنا يبدأ السؤال الحقيقي، لا السؤال العاطفي: هل تخسر أفريقيا لأن خصومها أفضل، أم لأنها لم تُحسن تحويل الموهبة إلى مشروع؟
اللافت أن القارة تُصدر كل موسم عشرات اللاعبين إلى أقوى الدوريات الأوروبية. نجوم أفريقيا يتألقون في أندية كبرى، يحصدون البطولات، ويعتلون منصات الجوائز.
لكن حين يرتدون قميص المنتخب، تبدو الصورة مختلفة. وكأن اللاعب نفسه يغيّر ملامحه بمجرد أن يغادر بيئة النادي المستقرة إلى منتخب لا يجتمع إلا لفترات قصيرة، وأحيانًا وسط تغييرات فنية وإدارية متكررة.
الصحافة الأفريقية كثيرًا ما تصف هذه الظاهرة بأنها “لعنة الدقيقة الأخيرة”، لكن اللعنات لا تصنع الإحصاءات. الواقع يشير إلى أن عدداً من المنتخبات الأفريقية بلغ ربع النهائي عدة مرات قبل أن ينجح المغرب في 2022 في كسر هذا الحاجز والوصول إلى نصف النهائي. وهذا التكرار يدعو إلى التأمل: لماذا يتوقف المشوار غالبًا عند المنعطف نفسه؟
قد يكون الجواب في الفلسفة أكثر منه في التكتيك. فالأمم التي تحقق الإنجازات الكبرى لا تعتمد على الموهبة وحدها، بل تبني منظومة متماسكة: استقرار إداري، تطوير للفئات السنية، هوية لعب، واستمرارية في العمل. أما حين تصبح كل بطولة بداية جديدة، فإن كل جيل يضطر إلى إعادة بناء ما أنجزه الجيل السابق.
وتحضر هنا حكايات أبي نواس، الذي كان يروي أن الطريق إلى الكأس ليس في حملها، بل في معرفة كيف لا تُسقطها قبل أن تصل إلى الفم. وربما هذا هو حال الكرة الأفريقية؛ فهي تعرف كيف تصل إلى أبواب المجد، لكنها لم تجد بعد الوصفة التي تمنع الكأس من السقوط في اللحظة الأخيرة.
السؤال إذن ليس: لماذا تخسر أفريقيا؟ بل: لماذا يتكرر السيناريو نفسه رغم تغيّر الأجيال والنجوم والمدربين؟ وعندما يتكرر المشهد بهذا الشكل، فإنه يتجاوز حدود المصادفة، ويصبح دعوة صريحة لإعادة النظر في طريقة صناعة المنتخبات، لا في جودة اللاعبين.
قد تكون أفريقيا أكثر القارات ثراءً بالمواهب الخام، لكنها لن تحصد الذهب العالمي بالموهبة وحدها. فالذهب، في كرة القدم كما في التاريخ، لا يُولد فقط في أقدام اللاعبين، بل يُصاغ أيضًا في مكاتب التخطيط، وملاعب الأكاديميات، وثقافة العمل التي تجعل الحلم مشروعًا لا صدفة..
وسلملي على روجيه ميلا ..!!