من ليل القاهرة إلى فجر بيروت

مقالات رأي و تحليلات الأحد ٢١/مايو/٢٠١٧ ٠٤:٤١ ص
من ليل القاهرة إلى فجر بيروت

احمد المرشد

عندما خلوت بنفسي في أحد مستشفيات بيروت قبل فترة بسيطة في رحلة علاجية، تأملت من شرفة غرفتي شوارع هذه المدينة الجميلة، وأشجارها وجوها ورائحتها التي تشبه المسك..فرائحة بيروت عندما تتسلل الى أنفي أشعر براحة وسكينة كنت في أشد الحاجة إليهما نفسياً ومعنوياً وطبعاً صحياً بعد إخضاعي لعملية جراحية أحمد الله على ما منّ به علي من نعمة الشفاء والعافية، متمنياً للجميع الصحة والعافية وراحة البال والسعادة. وأتقدم في هذا المقام بالشكر والتقدير والعرفان لكل من كان بجانبي لحظة بلحظة وتابعني بالسؤال والاطمئنان علي ليل نهار الى عودتي للبحرين الحبيبة.

وعودة إلى بيروت التي أعرفها لم ولن تتغير، مهما طال الزمان عليها، ومهما مرت بمشكلات سياسية واقتصادية، فطيب هواؤها باق كصخور التاريخ، ويكفي أن الشعور بالهدوء يتسلل إلى داخلنا ويشعرنا بسعادة غامرة، ولما لا؟..فرغم أني أتحدث عن عملية جراحية ومستشفي وعلاج، إلا أنه من حق لبنان وشعبها أن يفتخران بوجود أمهر الأطباء، ولم يفقد هؤلاء مهارتهم، فالعنصر البشري غني ويمتلك أدوات نجاحه، وهو ما يجعلنا نذهب لبيروت في بعض الأحيان، فالرحلة رغم أنها علاجية كان يكفي الاستمتاع بسحر بيروت العتيقة بكل ضواحيها، بها التاريخ والحاضر، تشعر بها بأنك في بلدك، بل في بيتك من كرم الضيافة والترحيب والكلام الطيب، حتى أن لي صديقاً يتمنى أن يعيش بقية حياته في لبنان حتى يحكي مثل كلامهم كما يقول لي، وقد صدق فعلا، فاللهجة اللبنانية رغم تنوعها ما بين المدن فهي جميعها جميلة ومحببة إلى الأذان، لهجة تشعرك بأنس وطيبة.

ربما كتبت كثيراً عن القاهرة وشوارعها ونيلها وحي الحسين حيث مكاني المفضل ليلاً أثناء وجودي هناك، ولكن من يعشق المدن لا يجد اختلافاً كبيراً بين القاهرة وبيروت، فالناظر إلى النيل يشعر بالأمان والسكينة، خاصة مع لحظات الفجر وشروق الشمس وغروبها، ويتذكر ما كتبه الشعراء المصريون عن النيل وعظمته، مثلما أتحفنا أمير الشعراء في رائعته «النهر الخالد» التي غناها محمد عبد الوهاب وخرج بأسطورة شعرية وموسيقية أمتعتنا حقاً.
جمال النيل وروعة شوارع القاهرة العتيقة والحسين ومقاهيه، يقربنا من بيروت بجمالها وسحرها، فلعل التاريخ هو الذي يربط بين العاصمتين، فالحضارة الفرعونية القديمة لم تكن بعيدة عن حضارة الفينيقيين، وتأثرت كل حضارة بالأخرى، سواء بالفن والثقافة أو التجارة وركوب البحار.
نعلم جميعاً أن القاهرة لا تنام، فالحياة بها موصولة النهار بالليل، لا تعرف متى ينام أهلها ومتى يرتاحون فالكل يسهر، فالمصريون يطبقون باقتدار ما غنته سيدة الغناء العربي أم كلثوم في أغنية رباعيات الخيام «فما أطال النوم عمراً.. ولا قصر في الأعمار طول السهر»، وكذلك أهل بيروت فهم أيضا يحبون السهر والليل، وترى بعضهم يبدأ يومه ليلاً فيمرحون ويغنون ويسيرون على الكورنيش، وتمتلئ المطاعم بروادها، فالكل سعيد بما يفعل، وما كثرة مطربي ومغني لبنان من الشباب والبنات، حتى وإن لم يكونوا بنفس شهرة مطرباتها ومطربيها المعروفين، فكل مقهى له مطربه ومطربته الخاصة ولا يهم إذا كانت تغني لكبار المطربين الآخرين، ولكن الأهم أن رواد المقهى يستمتعون ويقضوا أوقاتا طيبة وسعيدة مع دبكتهم الشهيرة وأغاني الجبل التي يشتهرون بها.
يعلم كل أصدقائي أني أعشق ثلاث مدن في هذه الدنيا، مدينتي العريقة وروحي مدينة المحرق عبق التاريخ، والقاهرة بحكم قضائي فيها أوقاتا طويلة ومعرفتي القوية بناسها وأهلها، ثم بيروت التي أزورها من حين لآخر، ومهما غبت عنها لا تتغير، فأجدها في نفس الزمان ونفس المكان، بشوارعها وحاراتها، وحتى جبال وقرى لبنان مهما مر عليها التاريخ، تعيش بذات التفاصيل الصغيرة التي تجعلك تعشق هذه المدينة، ولا أكشف سراً أن صوت فيروز يربط كل مدن وشوارع لبنان صباحاً، ولا يستطيع شعب لبنان مهما اختلفت توجهاتهم السياسية والدينية التخلي عن فيروز، وهي تصدح بصوتها أغاني الصباح، وهي أغنيات متعددة وكثيرة اشتهرت مطربة العرب التي ندعو المولى عز وجل أن يهبها الصحة والعافية لتغني لنا المزيد من الأغنيات ولتظل حارساً على شعب لبنان من الفتنة. ولا تقف أغاني فيروز على صباح لبنان فقط، فقد سمعت أغانيها كثيراً في أماكن أخرى صباحاً، في مصر ودول أخرى، وأتذكر مركزاً تجارياً كبيراً بالقاهرة يبدأ اليوم بأغنيات وموسيقى فيروز ثم يبث بعدها موسيقى للموسيقار عمر خيرت.
وتدور ساعات النهار بداية من صباح فيروز وأغانيها الكثيرة التي تغنت للصباح والفجر والشمس، حيث يستمتع لها العرب جميعا لروائعها، ليشعروا بالسعادة والمحبة وصفاء الصبح، حتي تأتي ساعات المساء لتبدأ أم كلثوم بالغناء، ليكون الليل ساحرا وجميلا مع «يامسهرني» التي أبدع كاتبها أحمد رامي في وصف حياة العاشق السهران وهو ينتظر حبيبته.
نعود لبيروت وفيروز - هذه الأيقونة الإنسية – التي استطاعت أن تجمع شعبها قبل العرب، شعب لبنان، فاتفقوا عليها جميعا أثناء الحرب الأهلية، وهي التي كانت تعبر كل المعابر والآكمنة بحرية وقت الحرب ولم يمنعها أحد من المرور، ففي أوقات الهدوء كانوا جميعا يستمعون إليها والى رائعتها «بحبك يا لبنان»، فصوت فيروز زرع في قلوب اللبنانيين حبهم وعشقهم لوطنهم، وسرعان ما انتهت الحرب بكل خسائرها ليعودوا على قلب واحد يجمعهم في صوت فيروز على «بحبك يا لبنان».. فصوتها الملائكي زرع في اللبنانيين القوة والإصرار والعزم علي إعادة بناء ما مزقته الحروب، ولما لا؟ وهي التي قالت وغنت: «بحبك يا لبنان يا وطني بحبك بشمالك بجنوبك بسهلك بحبك وإذا إنتا بتتركني يا أغلى الأحباب الدنيي بترجع كذبة وتاج الأرض تراب بفقرك بحبك و بعزك بحبك أنا قلبي على إيدي لا ينساني قلبك و السهرة على بابك أغلى من سني و بحبك يا لبنان يا وطني سألوني شو صاير ببلد العيد مزروعة عالداير نار و بواريد قلتلن بلدنا عم يخلق جديد لبنان الكرامي والشعب العنيد كيف ما كنت بحبك بجنونك بحبك وإذا نحنا اتفرقنا بيجمعنا حبك و حبة من ترابك بكنوز الدنييو بحبك يا لبنان يا وطني».
إنها بيروت التي أبهرتني من شرفة المستشفى ولكني أحفظ شوارعها عن ظهر قلب، فكم سرت بها منتشيا، لأتنفس عبق التاريخ والحضارة في هذه المدينة الساحلية الجميلة التي مرت عليها سنون وسنون ولم تغيرها، حتى الحرب الأهلية لم تغير بيروت، ربما تكون دمرت بعض ضواحيها، ولكن سكان هذه العاصمة الذين غنت لهم فيروز بنوها وأعادوا تشييدها لتعود كما كانت. وبمجرد انتهاء رحلة علاجي وقد استرجعت عافيتي، أخذت جولة ببيروت وجبلها لاستمتع بجمال أشجارها ووريقاتها المكسوة بالخضرة فبعض الأشجار أشعر بمجرد النظر إليها أني أعانق السماء من قوتها وعلوها، ويتخللها الزهور التي تمنح بيروت رائحتها الزكية وألوانها الزاهية، ويا روعتها لحظة بزوغ الفجر وأشعة الشروق تزيح قطرات الندي عن الورود.. فما أجملها مناظر ومشاهد بيروت، مناظر طبيعية تسر العين، خاصة عندما تكتسي الأرض خضرة بلون وريقات الشجر ويحركها ريح الهواء ونسماته المنعشة.. فها هي بيروت، برائحتها الزكية، رائحة تكفي لتعطر الكون. إنها بيروت ببحرها الهائج الذي يعكس أِشعة الشمس في قلبه ليرسم لنا صورة جمالية، صورة ربانية لم يتدخل فيها إنسان، صورة تسر الناظر بأروع منظر تشهده أعيننا، صورة تبعث بجمال الخالق في خلقه. ونأتي لسماء بيروت في ليلها الذي ما أن يقبل على الكون ليضيء الليل بنجومه وكأنه عـرس الحياة، وتتزين بيروت بكل ما فيها، وكأنها حورية لا تظهر إلا ليلا، حتى يشتاق لها سكان المدينة وهم يرونها في أبهى حلة.

كاتب ومحلل سياسي بحريني