
علي بن راشد المطاعني
في الوقت الذي يفترض أن تسهم فيه الجهات المختصة بالإسكان ومجلس الشورى وغيرها في البحث عن بدائل توفير سكن للشباب العُماني بقروض سهلة وميسرة بهدف تحقيق الاستقرار الاجتماعي لمئات الآلاف من أبنائنا ولتسهيل سبل الحياة الكريمة لهم كإحدى الأولويات التي ينبغي أن تحظى باهتمام كبير من جانب الدولة بكل مؤسساتها، نجد للأسف أن هذه الجهات تمضي في الاتجاه المعاكس من خلال فتح باب التملك العقاري للأجانب، أي إنها تبحث عن توفير سكن لهم ولعائلاتهم، أكثر مما تشغل نفسها بأبناء الوطن، في مفارقة غريبة تنم عن عدم وعي بالدور الذي تنهض به الجهات الحكومية والتشريعية في البلاد، ولم تسأل نفسها عن أيهما أولى وأهم المواطنون أم الأجانب؟.. وفي مثل هذه الظروف التي يجب أن تتحول فيها الأنظار وينصب التركيز حول كيفية صياغة منظومة إسكانية ملائمة لأبناء هذا الوطن المقبلين على الحياة.
فلا أعرف جدوى اجتماع لجنة الخدمات بمجلس الشورى مع وكيل وزارة الإسكان وبعض المسؤولين ومناقشتهم لمشروع توسيع تملك الأجانب للمساكن في السلطنة وبالأخص في محافظة مسقط التي يسيل لها اللعاب كثيرا، وهل هذه اللجنة والجهات المختصة انتهت من توفير مئات الآلاف من الوحدات السكنية وملكتها بنظام الإيجار بقيمة ملائمة لشرائح واسعة من المجتمع ما برحت تنتظر الفرج ليأتي منهم؟!..
يحدث هذا على الرغم من أن هناك تنظيما لتملك الأجانب للعقارات في المجمعات السياحية المتكاملة وفقا لمنطوق المرسوم السلطاني السامي الصادر في هذا الشأن مثل الموج وسرايا بندر الجصة وغيرها من المجمعات السياحية المتكاملة، إلا أنه وعلى ما يبدو فإن اللجنة ومسؤولي الإسكان مضوا في تخفيف المعاناة على الأجانب في بحثهم عن سكن، بعد أن أدركوا أن التملك في المجمعات السياحية المتكاملة غال على بعض الشرائح من الأجانب، وارتأت اللجنة بأنه من الأهمية بمكان إيجاد بدائل تيسر لهم التملك، في حين نجد أبناء جلدتهم قد بحت أصواتهم في أوديتهم السحيقة بدون أن يجدوا آذانا صاغية.
إن مناقشة مسألة توسيع تملك الأجانب للعقارات من جانب لجنة الخدمات الاجتماعية بمجلس الشورى مع مسؤولي الإسكان يعكس حالة عدم إلمام كامل لانعكاسات مثل هذه الأطروحات والمناقشات على رفع أسعار الشقق لشرائح واسعة من المواطنين، خاصة فئة الشباب التي تتلمس طريقها مترنحة في دهاليز الحياة.
فحتى تملك الخليجين للعقارات في البلاد له ضوابط دقيقة وكانت السلطنة من الدول التي حرصت على وضع الاشتراطات بمساحات لا تزيد على 3000 متر مربع وغيرها، وكل ذلك وغيره لأهداف بعيدة المدى هدفها عدم التأثير على المواطن.
فاليوم عندما يأتي مجلس الشورى وعبر لجنة الخدمات الاجتماعية لتناقش هذا الموضوع فمن الطبيعي أن يثير الدهشة والاستغراب إزاء تعاطي بعض الأعضاء مع ما يمس المواطن العُماني ويؤثر سلبا على توفير سبل الحياة الكريمة التي من أساسياتها المسكن الملائم، وعلى الجانب الآخر يدعو الأعضاء الحكومة إلى عدم المساس بالحقوق المكتسبة للمواطنين وعدم التأثير على مستويات المعيشة في تناقض يثير الكثير من علامات الاستفهام.
نحن ندرك أن هناك فائضا في الشقق السكنية يقدرها البعض على سبيل المبالغة بعشرة آلاف شقة، وملاك العقارات والوسطاء يشكون من ضعف الطلب، إلا أن ذلك يرجع لعوامل كثيرة منها الأزمة الاقتصادية بطبيعة الحال، لكن الأسباب الرئيسية ترجع كذلك لتمسك الملاك بقيمة إيجار مرتفعة، فضلا عن زيادة العرض على الطلب وزيادة الاستثمارات في هذا القطاع وغيرها من عوامل السوق، وهذه مؤشرات طبيعية لا ينبغي أن تدفعنا لفتح باب التملك للأجانب لحل مشكلة لدى بعضهم على حساب من هم أولى بذلك.
إن الاستثمار في العقار اليوم يعد من أبسط الاستثمارات التي تحقق عوائد على رأس المال في فترة زمنية تتراوح ما بين 8 إلى 12 سنة وفقا للمحافظات والأحياء، وهو من أضمن الاستثمارات التي يضع المستثمر أمواله فيها وهو نائم كما يقال، لذلك تجد أن هناك تناميا في هذا الجانب وليس وحده ضعف الطلب.
بالطبع هناك من يقول إن الأجانب لن يحملوا المساكن على ظهورهم عند عودتهم، ولكن وعندما نسلمه عقارا لمدة 99 عاما، سيكون أكبر من العمر الافتراضي له رغم حقيقة أن الأعمار بيد الله وحده، ومن الطبيعي أن يورثه لأولاده، فهذا يعني التجنيس بالتملك، وهذا جانب من الانعكاسات الخطيرة تتجاوز توفير السكن وصولا إلى إحداث خلل أكيد في التركيبة الديموغرافية وفيها سنجد التزاحم على فرص العمل وغيرها من الجوانب السلبية.
نأمل أن نبدأ أولا في إيجاد حلول لإسكان أبنائنا قبل أن نبحث في إسكان الآخرين.