
محمد بن سيف الرحبي
www.facebook.com/msrahby
alrahby@gmail.com
لا تقيّم البلدان من خلال "عواصمها" كما لا يفترض أن يحكم عليها عبر قناة "سمعنا"، ومصر ليست القاهرة، وهذه، وبعيدا عن المبالغة والمجاملة، ليست في مؤشر عال بالنسبة للأمان الشخصي، حتى بالنسبة لساكنيها، فكيف بالسائح المحسوب على "الثراء"، إنما تبقى من أجمل العواصم (العربية) التي أحبها، ويبقى الإنسان المصري بمنأى عن حماقات/ حسابات بعض السماسرة والتجّار ومن يسيئون إلى المحروسة أكثر مما يفعلون ذلك ضد.. زوارها.
زرتها عشرات المرات، لكن هذه المرة أردتها مميزة، رغم إرهاق التنقل، فكانت لياليها تتابع، في القاهرة ثم الإسكندرية، وليلتان في الأقصر واحدة على اليابسة (فندق) وأخرى فوق الماء (سفينة) عبورا إلى ليلة أخرى في إدفو وصولا إلى أسوان، مجربا وسائل نقل مختلفة: القطار والطائرة والسفينة والفلوكة (مركب شراعي صغير) والحنطور (العربة التي تجرها الخيول).
تجربة رائعة للتعرف على وجه آخر من وجوه مصر..
وكان الإنسان بطلها، عبر أفعالها، ذلك الإنسان الذي رفع أعمدة المعابد، أو الذي يسوق سيارة (أجرة)، وبينهما وجوه كثيرة صادفناها، وجها لوجه أو اطلاعا على مآثرها المنقوشة على جدران بقيت على مر آلاف السنين شاهد إثبات على حضارة ولدت على ضفاف النيل، فذهب الفراعنة وبقيت مصر، وبقي النيل يجري.
وصلتها وكانت الأخبار على الصفحات الأولى بعودة الرئيس السابق حسني مبارك إلى منزله بعد سنوات من التنقل بين أروقة المحاكم والسجن والمستشفى، بعد أكثر من ثلاثين عاما كان فيها "الزعيم"، إنما رياح عام 2011 أبت إلا قلب المعادلات، فالرئيس أصبح سجينا، والسجين أدخل ساجنه السجن، وتتابعت الأحداث مضحكة مبكية: وفاة رجل الأحداث (والمخابرات) عمر سليمان، وعودة الرئيس (المنتخب) محمد مرسي إلى السجن، وغيرها مما أربك خطوات المحروسة لتسترد عافيتها من "دكتاتورية" حكم الرجل الواحد والسماسرة الذين يبيعون مصر من حوله..
إنما هناك الأوفياء الذين يدينون لمبارك باستقرار مصر (وقوة الجنيه) رغم كل الظروف، وهناك من يؤمنون بعودة مرسي رئيسا، وهناك من.. لا يريد إلا.. أن يبقون أحياء، فقد عركتهم الظروف وعصرتهم الشدائد فوق قدرتهم على البقاء.
تركت الأخبار والأحوال والعاصمة المزدحمة، إلى الأقصر، حيث الصعيد الجميل أرضا وبشرا، وحيث النيل صفحة متجددة ليست معنية بالأخبار والأحوال، يعبر نحو سبعة آلاف كيلو متر يروي الأرض والبشر.. وكان "الكرنك" شاهد إثبات على أمجاد البشر وثورات النيل، ففي حين من الدهر أخطأ مهندس فرنسي في حسابات (المياه) ففاض النيل واكتسح المعبد، محطما ما استطاعه، مبقيا القليل، للدلالة على أن الماء يصنع الحياة.. والهلاك أيضا.
أربعة أيام من الأقصر إلى أسوان، تبدو خارج حسابات الواقع، وفي كل وجه قابلته وجدت أصالة الإنسان والأخلاق النبيلة، واستبشرت بوجود تلك الأفواج السياحية، كأنما هي حالة نهوض تنبئ عن مستقبل يمكنه أن يأتي بالمزيد من الخير لأرض الخير.. مصر.