
كريستوفر ديمبك
ما يلفت النظر بشكل كبير في الانتخابات الرئاسية الفرنسية هو تقديم معظم المرشحين (وخاصةً فرانسوا فيون وإيمانويل ماكرون) لإطار ميزانية يتسم بالكثير من الحذر للسنوات الخمس المقبلة. وقد تعلم هؤلاء المرشحون الدرس بكل تأكيد بعد أن قدّم فرانسوا هولاند توقعات اقتصادية تفاؤلية جداً خلال حملته الانتخابية العام 2012، ليتبين لاحقاً انفصال هذه التوقعات عن الواقع بعد ما حملته من عواقب اقتصادية كارثية. وفي برنامجه الانتخابي، توقع الرئيس الحالي بلوغ معدل النمو السنوي للناتج المحلي الإجمالي نسبة 2% ابتداءً من العام 2014، ولكن بطبيعة الحال لم يتجاوز معدل النمو هذا نسبة 0.9% بين عامي 2014 و2016. وبالنسبة للعجز العام، تمثل الهدف المحدد بالوصول إلى نسبة 0% بحلول العام 2017، إلا أن التوقعات الرسمية بيّنت توجه العجز لتسجيل نسبة 2.7%. وكنتيجة لفهم الوضع الاقتصادي بشكل سيئ، بدأ فرانسوا هولاند تطبيق سياسة اقتصادية غير مناسبة قبل أن يُجبر على زيادة الضرائب بصورة كبيرة بفعل ضغوط المفوضية الأوروبية.
ومن المتوقع أن يسفر برنامج مارين لوبان الانتخابي عن حدوث نتيجة سلبية مماثلة. فحتى الآن، تجنبت مرشحة اليمين المتطرف تقديم إطار ميزانية تفصيلي، الأمر الذي يشير بوضوح إلى أن الحزب لا يزال غير واثق بشأن السياسة الاقتصادية. وتؤكد البيانات الوحيدة التي تم نشرها انحيازاً لتفاؤل مفرط وغير مبني على حقائق موثوقة. ويتوقع حزب الجبهة الوطنية تحقيق أهداف نمو بواقع 2% خلال العام المقبل و2.5% بحلول نهاية فترة الخمس سنوات. ومن الصعب جداً أن نفهم كيف يمكن للحزب تحقيق هذا المستوى المرتفع من نمو الناتج المحلي الإجمالي، مع الأخذ بالاعتبار أنه من المقرر إنفاق 86.5 بليون يورو تقريباً دون إدخال أي إصلاحات من شأنها أن تدفع عجلة النشاط الاقتصادي (على سبيل المثال معالجة المشكلة الرئيسية المتمثلة بالإنتاجية). وخلال فترة الخمس سنوات المقبلة، من المرجح أن يبلغ النمو مستوىً أقل بكثير قياساً بهذه التوقعات، إذ أن مجلس الشيوخ الفرنسي يتوقع معدلاً محتملاً لنمو الناتج المحلي الإجمالي من 1.2% للفترة الممتدة بين عامي 2015 – 2021.وبالإضافة إلى ذلك، لم يتم إدراج عدة نفقات رئيسية في الميزانية (مثل تخفيض ضريبة الدخل بنسبة 10% لأول ثلاثة أقساط أو تخفيض ضريبة السكن أو زيادة الإعانة المعيشية لذوي الاحتياجات الخاصة من البالغين). ويحاول حزب الجبهة الوطنية الرد على الانتقادات من خلال التأكيد على رغبة الحزب تكثيف تدابير مكافحة الاحتيال والتهرب الضريبي. وفي العام 2014، مكن هذا الأمر الحكومة الفرنسية من استعادة 20 بليون يورو وما يقارب 21 بليون يورو خلال العام 2015. ويعتبر هذا المبلغ كبيراً بكل تأكيد، إلا أنه لا يمثل سوى 1/20 من الإنفاق الحالي للدولة. وحتى في أكثر السيناريوهات تفاؤلاً، لن يكون هذا المبلغ كافياً لقيام حزب الجبهة الوطنية بتمويل تلك التدابير الجديدة. ولذلك، وفي سياق محتمل من النمو الضعيف، تكاد مسألة زيادة العجز العام بواقع نقطة واحدة فقط خلال السنة الأولى من فترة الخمس سنوات قبل أن يسجل انخفاضاً ليصل إلى نسبة 1.3% العام 2022 بحسب خطط الجبهة الوطنية أن تكون ضرباً من المستحيل. كما أن تخفيض سن التقاعد الرسمي إلى 60 عاماً (مقابل 62 عاماً حالياً) يعتبر بمثابة الإجراء الاجتماعي المرجح أن يترك الأثر الأكثر سلبيةً على الإنفاق العام، ويمكن لهذا الأمر أن يدفع المفوضية الأوروبية لاتخاذ تدابير عجز صارمة ضد الدولة الفرنسية.بالنسبة لخبير اقتصادي، تتمثل المشكلة الرئيسية باستحالة قياس الأثر الاقتصادي لبرنامج حزب الجبهة الوطنية. وفي الواقع، لا يمكن تقييم تكلفة الخروج بواسطة نماذج الاقتصاد القياسي، إذ لم يسبق أن حدث أمر مفاجئ كهذا في التاريخ المعاصر. ويتمثل الأمر المؤكد بأن الخروج من منطقة اليورو سيؤدي إلى إعادة تعيين الدين الوطني وفق فرنك فرنسي جديد. ولا تتعلق المسألة بالدين العام بل بالديون الخارجية الخاصة للأسر والشركات التي تصل إلى ما يقارب 150% من الناتج المحلي الإجمالي (أكثر من الدين العام). ومن الواضح أن الدائنين الأجانب لن يقبلوا بسهولة تخفيض هذه الديون وسدادها بصورة غير نقدية، وهو أمر سيتسبب بالعديد من الشكاوى لدى السلطات القضائية الدولية إلى جانب إعاقة دخول رأس المال إلى الدولة.
وبالإضافة إلى ذلك، لن يقدم الخروج من منطقة اليورو الاستقلال والسيادة النقدية لفرنسا. وأكدت مارين لوبان مراراً وتكراراً على ضرورة تطور الفرنك الجديد إلى مجموعة من التقلبات المشابهة للنظام النقدي الأوروبي. ومع ذلك، لا يكون مثل هذا النظام بمأمن من المضاربة. وإذا اعتبرت السوق أن سعر الصرف لا يعكس الوضع الاقتصادي للدولة، سيقوم المستثمرون بمهاجمة العملة، كما حدث مع الجنيه الاسترليني العام 1992. وفي ظل هذه الظروف، من المحتمل جداً أن يتم تخفيض قيمة الفرنك الجديد بنسبة 20% على الأقل. وستدخل فرنسا بسرعة ضمن وضع لا يمكن الدفاع عنه؛ إذ أنها لن تمتلك بعد الآن درع الحماية المتمثل بالبنك المركزي الأوروبي، كما أنها ستصبح عاجزةً تماماً في مواجهة المضاربة الدولية. وأخيراً، عندما تتم مواجهة الجبهة الوطنية بالسؤال عن تخفيض قيمة العملة، غالباً ما يؤكد الحزب على أن هذه المسألة ستسمح باستعادة القدرة التنافسية. ويرى الحزب أن الحل الجيد يتمثل بعدم المضي قدماً لتخفيض الأجور كما حدث في البرتغال وإسبانيا. ولا يمكن إنكار أن فرنسا تواجه مشكلةً متوسطة المدى، ولكن القيام بتخفيض قيمة العملة لن يقدم سوى جرعةً مؤقتةً للاقتصاد.
رئيس قسم التحليلات الشاملة، «ساكسو بنك»